تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
بل تعطي الربوبية حقها ، تعمل للمنعم لا للنعمة ، للمالك لا للملك ، للحق لا للباطل ، ما عند الخلق قشر ، وما عند الخالق لب ، فإذا صح صدقك فيه وإخلاصك له ودام وقوفك بين يديه أطعمك من دهن هذا اللب ، وأطعمك على لبّ اللبّ وسرّ السرّ ومعنى المعنى . فحينئذ تتعرّى عما سواه في الجملة . التعرّي للقلب لا للجسد ، الزهد للقلب لا للجسد ، الإعراض للسرّ لا للظاهر ، النظر إلى المعاني لا للمباني ، النظر للحق عزّ وجلّ لا للخلق ، الدائرة على أن تكون معه لا مع الخلق . تنعدم الدنيا والآخرة بالإضافة إليكم ، كأن لا دنيا ولا آخرة ، كأن لا شيء سواه ، تنعم المحبوب للّه عزّ وجلّ الذين هم خواصه من خلقه لابتلاء أجسادهم الشهداء الذين قتلوا بسيوف الكفار ، لابتلاء أجسادهم ، فكيف الشهداء الذين قتلوا بسيوف المحبة ؟ إنما يتسلط الخراب على الأبنية والمباني بالمعاصي . أما ترى المواضع الخراب معاصي أهلها خربتها ، لأن المعاصي تخرب البلاد وتهلك العباد ؟ هكذا أنت بنيتك بلدة إذا عصيت فيها جاءها الخراب ، إذا عصيت يجيئك الخراب إلى جسدك ، ثم إلى جسد دينك ، يجيئك العمى والزمن والطرش وذهاب القوّة ، تجيئك الأمراض المختلفة ، يجيئك الفقر فيخرب بيت مالك ويحوجك إلى أصدقائك وأعدائك . ويلك يا منافق لا تخادع الحق عزّ وجلّ ، تعمل عملا وتظهر أنه له وهو للخلق ، ترائيهم وتنافقهم وتتملق لهم وتنسى ربك عزّ وجلّ . عن قريب تخرج من الدنيا مفلسا ، يا مريض الباطن عليك بالدواء ، وهذا الدواء لا يكون إلا عند الصالحين من عباد اللّه عزّ وجلّ ، خذ الدواء منهم واستعمله وقد جاءتك العافية الدائمة والصحة الأبدية لمعناك ولقلبك ولسرّك ولخلوتك مع ربك عزّ وجلّ ، تنفتح عينا قلبك فتنظر بها إلى ربك عزّ وجلّ ، تصير من المحبين الواقفين على بابه . الذين لا ينظرون إلى ما سواه ، قلب فيه بدعة كيف ينظر إلى الحق عزّ وجلّ ؟ ( يا قوم ) اتبعوا ولا تبتعدوا ، وافقوا ولا تخالفوا ، أطيعوا ولا تعصوا ، أخلصوا ولا تشكروا ، وحدوا الحق عزّ وجلّ وعن بابه فلا تبرحوا ، سلوه ولا تسألوا غيره ، استعينوا بغيره ، توكلوا عليه ولا تتوكلوا على غيره وأنتم يا خواص ، سلموا نفوسكم إليه وارضوا بتدبيره فيكم واشتغلوا بذكره دون مسئلته .
الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 192 | عبد القادر الجيلاني