مع اللّه أحدا كما قال اللّه عزّ وجلّ :
وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً ( 18 )
« 1 » .
فإذا ترّقت درجة هذا العبد من الإسلام إلى الإيمان ، من الإيمان إلى الإيقان ، من الإيقان إلى المعرفة ، من المعرفة إلى العلم ، من العلم إلى المحبة ، من المحبة إلى المحبوبية ، من طلبه إلى مطلوبيته ، فحينئذ إذا غفل لم يترك ، وإذا نسي ذكر ، وإذا نام نبه ؛ وإذا غفل أوقظ ، وإذا ولى أقبل ، وإذا سكت نطق ، فلا يزال أبدا مستيقظا صافيا ، لأنه قد صفت آنية قلبه ، يرى من ظاهرها باطنها ، ورث اليقظة من نبين عليه الصلاة والسلام ، كانت تنام عيناه ولا ينام قلبه ، وكان يرى من ورائه كما يرى من أمامه ، كل أحد يقظته على قدر حاله .
فالنبيّ صلى اللّه تعالى عليه وسلم لا يصل أحد إلى يقظته ، ولا يقدر أن يشاركه أحد في خصائصه ، غير أن الأبدال والأولياء من أمته يردون على بقايا طعامه وشرابه ، يعطون قطرة من بحار مقاماته ، وذرّة من جبال كراماته لأنهم وراءه ، المتمسكون بدينه الناصرون له الدالون عليه الناشرون لعلم دينه وشرعه عليهم سلام اللّه وتحياته وعلى الوارثين لهم إلى يوم القيامة .
المؤمن لمح الدنيا فأرادها وطلبها وامتلأ قلبه بها ، فأرادت تملكه فطلقها ، ثم طلب الآخرة حتى وجدها فامتلأ قلبه بها ، فخاف من تقيدها وحبسها له عن ربه عزّ وجلّ فطلقها وأقعدها إلى جنب الدنيا وأدّى فرضها ، ولحق بباب الحق عزّ وجلّ ، فخيم عنده وتوسد بعتبته ، اتبع ملة إبراهيم عليه السلام الزاهد في النجم ثم في القمر ثم الشمس ، ثم :
قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ ( 76 )
« 2 » ،
إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ
« 3 » .
فلما دام توسده بالعتبة وعرف الحق عزّ وجلّ صدقه في الطلب فتح الباب وأذن لقلبه في الدخول عليه ، فاستخبره عن حاله وما جرى عليه مع الدنيا والأخرى وهو أعلم بذلك منه .
هامش
( 1 ) سورة الجن آية : 18 .
( 2 ) سورة الأنعام آية : 76 .
( 3 ) سورة الأنعام آية : 79 .