إذا صلح قلب العبد للحق عزّ وجلّ وتمكّن من قربه أعطى الملكة والسلطة في أقطار الأرض ، وسلم إليه نشر الدعوة من الخلق والصبر على أذاهم ، يسلم إليه تغيير الباطن وإظهار الحق يعطيه ويغنيه ، لأنه إذا أعطى أغنى ، يملأ بطنه حكما الحق عزّ وجلّ ، قد جعل من خلال أراضي قلوب عباده الصالحين له العارفين به أنهار الحكم تنبع من وادي علمه ، من عند عرشه ولوحه تجري إلى أراضي القلوب الميتة الجاهلية به المعرضة عنه .
( يا غلام ) أكل الحرام يميت قلبك ، وأكل الحلال يحييه ؛ لقمة تنوّر قلبك ، ولقمة تظلمه ؛ لقمة تشغلك بالدنيا ، ولقمة تشغلك بالأخرى ؛ ولقمة تزهدك فيهما ، ولقمة ترغبك في خالقهما .
الطعام الحرام يشغلك بالدنيا ويحبب إليك المعاصي ، والطعام المباح يشغلك بالأخرى ويحبب إليك الطاعات ، والطعام الحلال يقرّب قلبك من المولى ، هذه الأطعمة لا تعرف إلا بمعرفة الحق عزّ وجلّ ، ومعرفته إنما تكون في القلب لا في الدفاتر ، منه تكون لا من خلقه ، إنما تحصل معرفة اللّه عزّ وجلّ بعد العلم بحكمه ، بعد التصديق والصدق ، بعد التوحيد للّه عزّ وجلّ والثقة به ، بعد الخروج من الخلق في الجملة .
كيف تعرف الحق عزّ وجلّ ولست تعرف إلا ما تأكل وتشرب وتلبس وتنكح ؟ ولا تبال ( يا مسكين ) أيّ وجه كان ، أما سمعت قول النبيّ صلى اللّه تعالى عليه وسلم :
( من لم يبال من أين مطعمه ومشربه لم يبال اللّه من أي باب من أبواب النّار أدخله ) .
وقال رضي اللّه تعالى عنه بعد كلام : فلا تبال بجمع الأشياء ولا تسم شيئا ، ولا يشغلك عنه شيء ، لا تقيدك الخلق عنه ، غير أنك تحدثهم بما يعقلون ، وتتصدّق عليهم بالمداراة ، تعمل بقول النبيّ صلى اللّه تعالى عليه وسلم :
( مداراة النّاس صدقة ) .
تعطيهم من عطاء ربك عزّ وجلّ ، تتكرّم عليهم بشيء من كرامته لك ، ترفق بهم وتلطف بهم وتلين جانبك لهم ، يصير خلقك من أخلاق الحق عزّ وجلّ وفعلك من أمره ، الشيوخ اثنان :
شيخ الحكم ، وشيخ العلم . شيخ من الخلق يدلك على باب قرب الحق عزّ وجلّ .
الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 183
مساهمون: عبد القادر الجيلاني
ص١٨٣