الغنى ، أكثر ما جعل النبوة في الرعاة والولاية في المولى والغرباء .
كلما ذلّ العبد له أعزّه . كلما تواضع له رفعه ، هو المعزّ والمذلّ الرافع والواضع الموفق والمسهل ، لولاه ما عرفناه . با معجبين بأعمالهم ما أجهلكم ؟ لولا توفيقه ما أصبتم وصممتم وصبتم ، أنتم في مقام الشكر لا في مقام العجب ، أكثر العباد معجبون بعبادتهم وأعمالهم ، طالبون للحمد والثناء من الخلق راغبون في إقبال الدنيا وأربابها عليهم ، وسبب ذلك وقوفهم مع نفوسهم وأهويتهم .
الدنيا محبوبة النفوس ، والأخرى محبوبة القلوب ، والحق عزّ وجلّ محبوب الأسرار . إنما قذف الحكم إلى قلوبكم بعد إحكام الحكم لأن الحكم قدم هذا الأمر ، فمن ادعى منه شيئا مع عدم إحكام الحكم فقد كذب ، لأن كل حقيقة لا تشهد لها الشريعة فهي زندقة ، طر إلى الحق عزّ وجلّ بجناحي الكتاب والسنة ، ادخل عليه ويدك في يد الرسول صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، اجعله وزيرك ومعلمك ، دع يده تزينك وتمشطك وتعرضك عليه .
هو الحاكم بين الأرواح ، المربي للمريدين ، جهبذ المرادين ، أمير الصالحين ، قسام الأحوال والمقامات بينهم ، لأن الحق عزّ وجلّ فوّض ذلك إليه ، جعله الكل ، الخلع إذا خرجت من عند الملك للجند إنما تقسم على يد أميرهم ، التوحيد عبادة والشرك بالخلق عادة .
فالزم العبادة واترك العادة ، إذا خرقت العبادة إذن خرقت في حقك العادة ، غير حتى يغير اللّه لك ، قال اللّه عزّ وجلّ :
إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ
« 1 » .
أخرج نفسك والخلق من قلبك واملأه بمكنونهما حتى يرد إليك التكوين ؛ ما هذا شيء يجيء بصيام النهار وقيام الليل ، لكن بطهارة القلوب وصفاء الأسرار .
( عن بعضهم ) رحمة اللّه عليه أنه قال : الصيام والقيام خلّ وبقل على المائدة والطعام غيرهما صدق ، هما أول الطعام ، ثم يجيء لون بعد لون من الأطعمة ، ثم الأكل ، ثم غسل الأيدي ، ثم يجيء لقاء اللّه عزّ وجلّ ، ثم الخلع والإقطاع والإمارة والنيابة وتسليم البلاد والقلاع .
هامش
( 1 ) سورة الرعد آية : 11 .