المجلس الرابع والأربعون [ الدنيا سجن المؤمن ]
وقال رضي اللّه تعالى عنه يوم الثلاثاء عشية في المدرسة ثالث عشر شهر ربجب سنة خمس وأربعين وخمسمائة :
المؤمن غريب في الدنيا ، والزاهد غريب في الآخرة ، والعارف غريب فيما سوى المولى ، المؤمن مسجون في الدنيا وإن كان في سعة الرزق والمنزل ، أهله يتقبلون في ماله وجاهه ، ويفرحون ويضحكون حواليه وهو في سجن باطن ، بشره في وجهه وحزنه في قلبه ، عرف الدنيا فطلقها بقلبه أول ما طلقها طلقة واحدة لأنه خاف من تقليب الأعيان ، فبينما هو كذلك إذ فتحت الآخرة بابها ، فجاء برق حسن وجهها فطلق الدنيا طلقة أخرى ، فجاءته الأخرى فعانقته فطلق الدنيا الطلقة الثالثة ووقف مع الآخرة بكليته .
فبينما هو معها إذا برق نور الحق عزّ وجلّ فطلق الأخرى ، قالت له الدنيا : لم طلقتني ؟ قال لها : رأيت أحسن منك ؛ وقالت له الأخرى : لم طلقتني ؟ قال لها : لأنك محدثة مصورة ، أما أنت غيره ، فكيف لا أطلقك ؟ فحينئذ تحققت معرفته لربه عزّ وجلّ فصار حرّا مما سواه غريبا في الدنيا والآخرة في غيبة عن الكل في محو الكل فتقف الدنيا في خدمته .
يرى خدامه لأسرته تقف بصدد العمل خالية عن زينتها التي تظهر بها عند أبنائها ، وإنما جعلت كذلك لئلا يكون التفات إليها ، الملكة إذا أحبت شخصا نفدت هداياها إليه على يد العجائز والجواري الزنج حفظها له وغيرة عليه ، أقبل على ربك بكليتك ، اترك غدا إلى جنب أمس لعل غدا يأتي وأنت ميت ، وأنت يا غنيّ لا تشتغل بغناك عنه لعل غدا يأتي وأنت فقير ، لا تكن مع شيء بل كن مع خالق الأشياء الذي هو شيء لا يشبهه شيء ، لا تستروح إلى غيره راحة ، قال رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم :
( لا راحة لمؤمن من دون لقاء ربه ) .
إذا خرب ما بينك وبين الخلق وعمر ما بينك وبينه فقد اختار لك فلا تكره خيرته ، من صبر مع الحق عزّ وجلّ رأى عجائب من ألطافه ، من صبر على الفقر جاءه