تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 178

مساهمون:

ص١٧٨
الدنيا والآخرة لا يجتمعان ، من وقف مع نفسه فاته الوقوف مع الحق عزّ وجلّ ، من وقف مع الدنيا فاته الوقوف مع الآخرة ، قال النبيّ صلى اللّه تعالى عليه وسلم : ( من أحبّ دنياه أضرّ بآخرته ومن أحب آخرته أضرّ بدنياه ) . اصبر فإذا تم صبرك تم رضاك ، جاءك فناؤك فيصير الكل عندك طيبا ، ينقلب الكل شكرا ، يصير البعد قربا ، يصير الشرك توحيدا ، فلا ترى من الخلق ضرّا ولا نفعا ، لا ترى أضدادا ، بل تتحد الأبواب والجهات فلا ترى إلا جهة واحدة ، حالة لا يعقلها كثير من الخلق ، بل هي لآحاد أفراد من كل ألف ألف إلى انقطاع النفس واحد . ( يا غلام ) اجهد أن تموت هاهنا بين يدي الحق عزّ وجلّ ، اجهد أن تموت نفسك قبل خروج روحك من بدنك ، موّتها بالصبر والمخالفة ، فعن قريب تحمد عاقبة ذلك ، صبرك يفنى وجزاؤه لا يفنى . إني صبرت ورأيت عاقبة الصبر محمودة ، متّ ثم أحياني ثم أماتني ، وغبت ثم أوجدني من غيبتي ، هلكت معه وملكت معه ، جاهدت نفسي في ترك الاختيار والإرادة حتى حصل لي ذلك . فصار القدر يقودني ، والمنة تنصرني ، والفعل يحركني ، والغيرة تعصمني . والإرادة تطيعني ، والسابقة تقدمني ، واللّه عزّ وجلّ يرفعني . ( ويحك ) تهرب مني وأنا شحنتك احفظها ، مكانك عندي وإلا فأنت هالك ، يا جويهل حج إليّ أولا ثم حج إلى البيت ثانيا ، أنا باب الكعبة ، تعال حتى أعلمك كيف تحج ؟ أعلمك خطابا تخاطب به ربّ الكعبة ، سوف ترون إذا انجلى الغبار ، اقعدوا يا سياس ، احتموا بي فإني قد أعطيت القوة من اللّه عزّ وجلّ ، القوم يأمركم بما أمركم به وينهونكم عما نهاكم عنه . قد سلم إليهم النصح لكم فهم يؤدون الأمانة في ذلك . اعملوا في دار الحكمة حتى تصلوا إلى دار القدرة ، الدنيا حكمة والآخرة قدرة ، الحكمة تحتاج إلى أدوات وآلات وأسباب ، والقدرة لا تحتاج إلى ذلك ، وإنما فعل الحق عزّ وجلّ ذلك ليميز دار القدرة من دار الحكمة . الآخرة فيها تكوين بلا سبب ، تنطق بها جوارحكم وتشهد عليكم بما علمتم من معاصي الحق عزّ وجلّ ، يوم القيامة تنكشف الأستار وتظهر المخبآت ، إن شئتم أو أبيتم ، لا يدخل أحد من الخلق النار إلا بقلب بارد لارتكاب الحجة عليه اقرءوا كتبكم بألسنة
الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 178 | عبد القادر الجيلاني