الصلاة والصوم والصدقة وأفعال الخير ، أيّ شيء ينفعك ؟ الشهادتان .
إذا قلت لا إله إلا اللّه فقد ادّعيت ، يقال أيها القائل : ألك بينة ؟ ما البينة ؟ امتثال الأمر والانتهاء عن النهي والصبر على الآفات والتسليم إلى القدر ، هذه بينة هذه الدعوى ، وإذا عملت هذه الأعمال ما تقبل منك إلا بالإخلاص للحق عزّ وجلّ ، ولا يقبل قول بلا عمل ، ولا عمل بلا إخلاص ، وإصابة السنة . وأسوأ الفقراء بشيء من أموالكم ، لا تردوا سائلا وأنتم تقدرون أن تعطوه شيئا قليلا كان أو كثيرا .
وافقوا الحق عزّ وجلّ في حبه العطاء ، واشكروه كيف أهلكم وأقدركم على العطاء .
ويحك إذا كان السائل هدية اللّه عزّ وجلّ وأنت قادر على إعطائه فكيف ترد الهدية على مهديها ؟ عندها تستمع وتبكي . وإذا جاء الفقير يقسو قلبك فدل على أن بكاءك وسماعك ما كان خالصا للّه عزّ وجلّ ، السماع عندي أولا بالسرّ ، ثم بالقلب ، ثم بالجوار في الخير .
إذا دخلت عليّ فادخل وقد عزلت علمك وعملك ولسانك ونسبك وحسبك مع نسيان مالك وأهلك ، قف بين يديّ عريان القلب عمّا سوى الحق عزّ وجلّ حتى يكسوه بقربه وفضله ومننه ، إذا فعلت هذا عند دخولك عليّ صرت كالطير تغدو خماصا وتروح بطانا ، نور القلب من نور الحق عزّ وجلّ ، ولهذا قال النبي صلى اللّه عليه وسلم :
( اتقوا فراسة المؤمن فإنه يتظر بنور اللّه عزّ وجلّ ) .
أيها الفاسق : اتق المؤمن ولا تدخل عليه وأنت ملوّث بنجاسة معاصيك فإنه يرى بنور اللّه عزّ وجلّ ما أنت فيه ، يرى شركك ونفاقك ؛ يرى عملتك مخبأة تحت ثيابك ، يرى فضائحك وهتائكك ، من لا يرى مفلحا لا يفلح ، أنت هوس ومخالطتك لأهل الهوس .
سأل سائل هذا العمى إلى متى ؟ فقال : إلى أن تقع بالطبيب وتتوسد بعتبته ، وتحسن ظنك فيه ، وتزيل من قلبك التهمة له ، وتأخذ أولادك وتقعد على بابه ، وتصبر على مرارة دوائه ، فحينئذ يزول العمى من عينيك . ذلّ للّه عزّ وجلّ وأنزل حوائجك به ، ولا تعدّ لنفسك عملا ، ألقه على قدم الإفلاس . أغلق أبواب الخلق وافتح الباب بينك وبينه ، واعترف بذنوبك ، واعتذر إليه من تقصيرك ، وتيقن أن لا ضارّ ولا نافع ولا معطي ولا مانع إلا هو ، فحينئذ يزول عمى عين قلبك ويحرّك البصر والبصيرة .
( يا غلام ) ليس الشأن في خشونة ثيابك ومأكولك ، الشأن في زهد قلبك . أول ما
الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 17
مساهمون: عبد القادر الجيلاني
ص١٧