تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 20

مساهمون:

ص٢٠

المجلس الثالث في عدم تمني الغنى

قال رضي اللّه عنه : يوم الجمعة بكرة بالمدرسة المعمورة ثامن شوّال سنة خمس وأربعين وخمسمائة : أيها الفقير لا تتمنّ الغنى ، فلعله سبب هلاكك ، وأنت أيها المريض لا تتمن العافية فلعلها سبب هلاكك . كن عاقلا ، احفظ ثمرك يحمد أمرك ، اقنع بهذا القدر الذي معك ولا تطلب زيادة عليه . كلّ ما يعطيك الحق عزّ وجلّ بسؤالك فيكون كدرا وبغضة ، قد جربت هذا إلا أن يؤمر العبد من حيث قلبه بالسؤال . فإذا أمر بالسؤال بورك فيما سأل وأزيلت الأقذار عنه . وليكن أكثر سؤالك العفو والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة ، اقنع بهذا فحسب . لا تتخير على اللّه عزّ وجلّ ، ولا تتجبر فإنه يقصمك ، لا تتجبر على اللّه عزّ وجلّ وعن خلقه بشبابك وقوّتك ومالك فإنه يبطش بك ، ويأخذك أخذ من أخذه فإن أخذه أليم شديد . ويحك لسانك مسلم أما قلبك فلا قولك مسلم ، أما فعلك فلا أنت في جلوتك مسلم ، أما في خلوتك فلا . أما تعلم أنك إذا صليت وصمت وفعلت جميع أفعال الخير إن لم ترد بهذه الأعمال وجه اللّه عزّ وجلّ فأنت منافق بعيد من اللّه عزّ وجلّ . تب الآن إلى اللّه عزّ وجلّ من جميع أفعالك وأقوالك ومقاصدك الدنية . القوم ليس في أعمالهم ملق ، هم الفائزون هم الموقنون الموحدون المخلصون الصابرون على بلاء اللّه عزّ وجلّ وآفاته الشاكرون على نعمائه وكراماته ؛ يذكرونه بألسنتهم ثم بقلوبهم ثم بأسرارهم ، إذا جاءتهم الأذايا من الخلق تبسّموا في وجوههم ، ملوك الدنيا عندهم معزولون ، جميع من في الأرض عندهم موتى عجزي مرضى فقراء . الجنة بالإضافة إليهم كأنها خراب . النار بالإضافة إليهم مخمودة ، لا أرض ولا سماء ولا ساكن فيها ، تتحد جهاتهم فتصير جهة واحدة ، كانوا مع الدنيا وأهلها ثم صاروا مع الأخرى وأهلها ، ثم صارو مع ربّ الدنيا والآخرة ، التحقوا به وبالمحبين له ، ساروا معه بقلوبهم حتى وصلوا إليه ، وحصلوا الرفيق قبل الطريق ، فتحوا الباب بينهم وبينه ، يذكرهم ما زالوا يذكرونه حتى حط الذكر عنهم أوزارهم ، فقدهم مع غيره ووجودهم به ، سمعوا قوله عزّ وجلّ :
الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 20 | عبد القادر الجيلاني