وجلّ . إذا تبت فليتب ظاهرك وباطنك ، والتوبة قلب دولة .
اخلع ثياب المعاصي بالتوبة الخالصة ، والحياء من اللّه عزّ وجلّ حقيقة لا مجازا ، هذا من أعمال القلوب بعد طهارة الجوارح بأعمال الشرع . القالب له عمل ، والقلب له عمل . القلب إذا خرج في فيافي الأسباب والتعلق بالخلائق ركب بحر التوكل والمعرفة باللّه عزّ وجلّ والعلم به ، وترك السبب وطلب المسبب . فإذا توسط في هذا البحر فهنالك يقول :
الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ
« 1 » .
فيهدي من ساحل إلى ساحل ، من موضع إلى موضع ، حتى يقف على الجادة المستقيمة ، فكلما ذكر ربه تجلت جادته ، وانكشف الدغل عنها . قلب الطالب للحق عزّ وجلّ يقطع المسافات ، ويخلف الكل وراءه .
فإذا خاف في بعض الطريق من الهلاك برز إيمانه فشجعه ، فتخمد نيران الوحشة والخوف ، ويأتي بدلها نو والأنس والفرح بالقرب .
( يا غلام ) إذا جاءك الداء فاستقبله بيد الصبر ، واسكن حتى يجيء الدواء ، فإذا جاء الدواء فاستقبله بيد الشكر ، فإذا كنت على هذا الحال كنت في العيش العاجل ، الخوف من النار يقطع أكباد المؤمنين ، ويصفر وجوههم ، ويحزن قلوبهم .
فإذا تمكن هذا منهم ، صب اللّه عزّ وجلّ على قلوبهم ماء رحمته ولطفه ، وفتح لها باب الآخرة فيرون مأمنها ، فإذا سكنوا واطمأنوا وارتاحوا قليلا فتح لهم باب الجلال ، فقطع قلوبهم وأسرارهم ، وكثر خوفهم أشدّ من الأول ، فإذا تم لهم فتح لهم باب الجمال ، فسكنوا واطمأنوا وتنبهوا وتبوءوا درجات هي طبقات : شيء بعد شيء .
( يا غلام ) لا يكن همك ما تأكل وما تشرب وما تلبس وما تنكح وما تسكن وما تجمع ، كل هذا همّ النفس والطبع ، فأين هم القلب والسرّ وهو طلب الحق عزّ وجلّ .
همك ما همك ، فليكن همك ربك عزّ وجلّ وما عنده .
الدنيا لها بدل وهو الآخرة ، والخلق لهم بدل وهو الخالق عزّ وجلّ . كلما تركت شيئا من هذا العاجل أحدث عوضه وخيرا منه في الآجل . قدّر أن قد بقي من عمرك
هامش
( 1 ) سورة الشعراء : الآية 78 .