تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
حكى أن بني إسرائيل أصابتهم شدة ، فاجتمعوا إلى نبيّ من أنبيائهم فقالوا له : خبرنا بما يرضى الحق عزّ وجلّ حتى نتبعه فيكون سببا لدفع هذه الشدة عنا ، فسأل الحق عزّ وجلّ عن ذلك ، فأوحى اللّه إليه : قل لهم : إن أردتم رضاى فأرضوا المساكين ، فإن أرضيتموهم رضيت ، وإن أسخطتموهم سخطت . اسمعوا يا عقل أنتم ما تزالون تسخطون المساكين وتريدون رضا اللّه عزّ وجلّ ، ما يقع بأيديكم رضاه بل أنتم متقلبون في سخطه ، اثبتوا على خشونة كلامي وقد أفلحتم ، الثبات نبات ، ما كنت أهرب من كلام الشيوخ وغضاضته وخشونته ، بل كنت أخرس أعمى . الآفات تنزل عليّ منهم وأنا ساكت ، وأنت لا تصبر على كلامهم وتريد تفلح ، لا ولا كرامة ، لا تفلح حتى توافق القدر لك وعليك وتصحب الشيوخ مع إزالة التهم في حظك ونصيبك ، وتتبعهم وتوافقهم في جميع الأحوال وقد جاءك الفلاح دنيا وآخرة . افهموا ما أقول واعملوا به . الفهم بلا عمل لا يساوي شيئا ، العمل بلا إخلاص طمع فارغ ، الطمع كل حروفه فارغة مجوفة ليس فيها شيء ، العوامّ لا يعرفون بهرجتك ، الصيرفي يعرف بهرجتك ثم يعلم العوامّ حتى يحذروك . لو صبرت مع اللّه عزّ وجلّ لرأيت عجائب من لطفه . يوسف عليه السلام لما صبر على الأخذ والعبودية والسجن وال ووافق ربه عزّ وجلّ صحت نجابته وصار ملكا ، نقل من الذلّ إلى العزّ ، من الموت إلى الحياة . فهكذا أنت إذا اتبعت الشرع وصبرت مع اللّه عزّ وجلّ وخفت منه ورجوته وخالفت نفسك وهواك وشيطانك نقلت من هذا الذي أنت فيه إلى غيره ، تنقل مما تكره إلى ما تحبّ ، اجهد واجتهد فإنك بك لا تجيء ولا بد منك ، اجتهد وقد جاءك الخير ، من طلب وجدّ وجد ، اجهد في أكل الحلال فإنه ينوّر قلبك ويخرجه من ظلماته ، أنفع العقل ما عرفك نعم اللّه عزّ وجلّ وأقامك في شكرها وأعانك على الاعتراف بها وبمقدارها . ( يا غلام ) من عرف بعين اليقين أن اللّه عزّ وجلّ قسم جميع الأشياء وفرغ منها لا يطلب منه شيئا حياء منه ، يشتغل بذكره عن مطالبته ، لا يسأله تعجيل قسمه ولا يعطيه قسم غيره ، دأبه الخمول والسكوت وحسن الأدب وترك الاعتراض .
الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 159 | عبد القادر الجيلاني