يبصر جميع أفعاله باللّه تعالى ، وبه يخرج من حوله وقوّته ورؤيته نفسه وغيره ، نصير حركاته وحوله وقوته باللّه عزّ وجلّ ، لا به ولا بسائر الخلق ، يعزل نفسه ودنياه وأخراه ، كله طاعة .
فلا جرم تقربه طاعته تكون سببا لمحبة اللّه عزّ وجلّ له ، بالطاعة يحبّ ويقرب ، وبالمعصية يبغض ويبعد ، بالطاعة يحصل الأنس ، بالمعصية تحصل الوحشة ، لأن من أساء استوحش ، بمتابعة الشرع يحصل الخير ، وبمخالفته يحصل الشرّ ، من لم يكن الشرع رفيقه في جميع أحواله فهو هالك مع الهالكين .
اعمل واجتهد ولا تتكل على العمل ، فإن التارك للعمل طامع ، والمتكل على العمل معجب مغرور . قم قيام بيد الدنيا والآخرة ، وقوم قيام بين الجنة والنار ، وقوم قيام بين الخلق والخالق ، إن كنت زاهدا فأنت لبن الدنيا والآخرة وإن كنت خائفا فأنت بين الجنة والنار .
وإن كنت عارفا فأنت قائم بين الخلق والخالق ، تنظر إلى الخلق تارة وإلى الخالق أخرى ، تبلغ القوم وتعرفهم أحوال الآخرة وحسابها وجميع ما فيها ، لا بل تخبر بما قد شاهدت ورأيت ، ليس الخبر كالمعاينة ، القوم منتظرون لقاء اللّه عزّ وجلّ يتمنونه في جميع أوقاتهم .
لا يخافون من الموت لأنه سبب للقاء محبوبهم . فارق قبل أن تفارق ، ودّع قبل أن تودع ، اهجر قبل أن يهجرك أهلك وسائر الخلق ، ما ينفعونك إذا حصلت في القبر ، تب من تناول المباح بشهوة .
( يا قوم ) تورّعوا في جميع أحوالكم ، الورع كسوة الدين ، اطلبوا مني كسوة لأديانكم ، اتبعوني فإني على جادة الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، أنا تابع له في أكله وشربه ونكاحه وأحواله وما كان يشير إليه .
لا أزال كذلك حتى أقع بمراد اللّه عزّ وجلّ مني فإني على ذلك ، ولا أفكر بحمد اللّه عزّ وجلّ ، لا أفكر بحمدك ولا ذمك ، بعطائك ومنعك ، بخيرك وشرّك ، بإقبالك وإدبارك ، أنت جاهل والجاهل لا يبالي به ، إذا أفلحت وعبدت اللّه عزّ وجلّ كانت عبادتك مردودة عليك ، لأنها عبادة مقرونة بالجهل والجهل كله مفسدة ، قال النبيّ صلى اللّه تعالى عليه وسلم :
الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 162
مساهمون: عبد القادر الجيلاني
ص١٦٢