كرامته ، يوليك بولايته ، ويعينك ويسلطنك ويملكك ، وفي سائر خلقه يسرحك ، ويجعلك حارس قلبك ، ويخدم لك ملائكته ويريك أرواح أنبيائه ورسله ، فلا يخف ] عليك من الخلق خافية .
( يا غلام ) اطلب هذا المقام وتمنه واجعله همك ، ودع الاشتغال بطلب الدنيا فإنها لا تشبعك ، وما سوى الحق عزّ وجلّ لا يشبعك ، فاشتغل به فإنه شبعك . إذا حصل لك حصل الغنى دنيا وآخرة .
يا غافلا رد من يريدك ، اطلب من يطلب ، أحبّ من يحبك ، اشتغل إلى من يشتاق إليك ، أما سمعت قوله عزّ وجلّ :
يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ
« 1 » .
وقوله فيما تكلم به : وإني إلى لقائكم لأشوق ، قد خلقك لعبادته فلا تلعب . أرادك لصحبته فلا تشتغل بغيره ، لا تحبّ معه في محبته أحدا ، إن أحببت غيره حبّ رأفة ورحمة ولطف يجوز ، حبّ النفوس يجوز .
أما حبّ القلوب فلا يجوز ، حبّ السر لا يجوز ، آدم عليه السلام لما اشتغل قلبه بجبّ الجنة وأحب المقام فيها فرّق بينه وبينها ، وأخرجه منها بطريق أكل الثمرة ، مال قلبه إلى حوّاء ، فرق بينه وبينها وجعل بينهما مسيرة ثلاثمائة سنة هو بسر نديب وهي بجدة . يعقوب لما سكن إلى ولده يوسف عليهما السلام وضمه إليه فرّق بينه وبينه .
ونبينا صلى اللّه تعالى عليه وسلم لما مال إلى عائشة رضي اللّه عنها نوع ميل جرى عليها ما جرى من القذف والبهتان وبقي أياما لا يبصرها .
فاشتغل باللّه عزّ وجلّ لا بغيره ، لا تستأنس بغيره ، اجعل الخلق خارج قلبك ناحية منه ، فرغه له . يا بطّال يا كسلان يا قليل القبول ، إن قلبت مني وعملت بما أقول فلنفسك تعمل ، وإن لم تعمل فعلى نفسك المقت والحرمان . قال اللّه عزّ وجلّ :
لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ
« 2 » .
وقال تعالى :
إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها
« 3 » .
هامش
( 1 ) سورة المائدة آية : 54 .
( 2 ) سورة البقرة آية : 286 .
( 3 ) سورة الإسراء آية : 7 .