تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 138

مساهمون:

ص١٣٨

المجلس الحادي والثلاثون [ في الغضب المحمود والمذموم ]

وقال رضي اللّه تعالى عنه في المدرسة عشية ثامن عشر جمادي الآخرة سنة خمس وأربعين وخمسمائة بعد كلام : الغضب إذا كان للّه عزّ وجلّ فهو محمود ، وإذا كان لغيره فهو مذموم . المؤمن يحتدّ للّه عزّ وجلّ لا لنفسه ، يحتدّ نصرة لدينه لا نصرة لنفسه ، يغضب إذا خرق حدّ من حدود اللّه عزّ وجلّ كما يغضب النمر إذا أخذوا صيده . فلا جرم بغضب اللّه عزّ وجلّ لغضبه ويرضى لرضاه ، لا تظهر الغضب للّه عزّ وجلّ وهو لنفسك فتكون منافقا وما أشبه ذلك ، لأن ما كان للّه عزّ وجلّ يتم ويبقى ويزداد ، وما كان لغيره يتغير ويزول ، فإذا فعلت فعلا فأزل نفسك وهواك وشيطانك منه ، ولا تفعله إلا للّه عزّ وجلّ وامتثالا لأمره ، لا تفعل شيئا إلا بأمر حزم من اللّه عزّ وجلّ ، إما بواسطة الشرع أو بإلهام من اللّه عزّ وجلّ لقلبك مع موافقة الشرع . ازهد فيك وفي الخلق وفي الدنيا يرحك من الخلق ، وارغب في الأنس بالحق عزّ وجلّ والراحة بقربه ، لا أنس إلا الأنس به ، ولا راحة إلا معه بعد الصفاء من كدورات نفسك وهواك ووجودك ، كن مع القوم فتتأيد بتأييدهم وتبصر ببصرهم ، ويباهى بك كما يباهي بهم ، يباهي بك الملك بين بقية المماليك . طهّر قلبك ممن سواه ، فإنك ترى به ما سواه . في الجملة تراه ثم ترى به أفعاله في خلقه ، كما لا يحلّ أن تدخل على الملوك مع نجاسة ظاهرك لم تدخل على مالك الملوك الذي هو الحق عزّ وجلّ مع نجاسة باطنك ، أنت خابية ملآن دردى ، إيش يعمل بك ؟ اقلب ما فيك وتطهر ، وبعد ذلك يكون الدخول على الملوك ، في قلبك معاصي وخوف من الخلق ورجاء لهم وحبّ الدنيا وما فيها ، وكل هذا من نجاسة القلوب ، لا كلام حتى تموت نفسك وتحمل على باب نعش صدقك ، حينئذ لا يبالي بإقبالك على الخلق ، أما ما دام عندك وجود لهم وأنت تراهم فلا تمدّ يدك إليهم حتى يقبلوها ، لا كلام حتى يكون عندك دهشة بقربه فيكون عندك شغل منهم ومن تقبيلهم يدك ومن عطائهم
الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 138 | عبد القادر الجيلاني