المجلس الثلاثون [ الاعتراف بنعم اللّه عز وجل ]
وقال رضي اللّه تعالى عنه بكرة بالرباط سادس عشر جمادي الآخرة سنة خمس وأربعين وخمسمائة :
يا طوبى لمن اعترف للّه عزّ وجلّ بنعمه وأضاف الكل إليه ، وعرى نفسه وأسبابه وحوله وقوّته . العاقل الذي لا يحسب على اللّه عزّ وجلّ عملا ولا يطلب منه جزاء في جميع الأحوال .
( ويلك ) أنت تعبد اللّه عزّ وجلّ بغير علم ، وتزهد بغير علم ، وتأخذ الدنيا بغير علم ، ذلك حجاب في حجاب ، مقت في مقت ، لا تميز الخير من الشرّ . لا تفرّق بين ما هو لك وما هو عليك ، ما تعرف صديقك من عدوّك ؛ كل ذلك لجهلك بحكم اللّه عزّ وجلّ ، وتركك لخدمة الشيوخ .
شيوخ العمل وشيوخ العلم يدلوك على الحق عزّ وجلّ ، القول أولا والعمل ثانيا ، وبه تصل إلى الحق عزّ وجلّ ، وما وصل من وصل إلا بالعلم والزهد في الدنيا والإعراض عنها بالقلب والقالب ، المتزهد يخرج الدنيا من يده ، والزهد المتحقق في زهده يخرجها من قلبه .
زهدوا في الدنيا بقلوبهم فصار الزهد طبعا لهم ظواهرهم وبواطنهم ، انطلقت نارية طباعهم ، انكسرت أهويتهم ، اطمأنت نفوسهم واستحال شرّها .
( يا غلام ) هذا الزهد ليس هو صنعة تعلمها ، ليس هو شيئا تأخذه بيدك ترميه بل هو خطوات أولها النظر في وجه الدنيا فتراها كما هي على صورتها عند من تقدّم من الأنبياء والرسل ، وعند الأولياء والأبدال الذين لم يخل منهم زمان . إنما تصح رويتك لها باتباع من تقدّم في الأقوال والأفعال .
إذا اتبعتهم رأيت ما رأوا ، وإذا كنت على أثر القوم قولا وفعلا خلوة وجلوة علما وعملا صورة وعنى تصوم كصيامهم وتصلي كصلاتهم وتأخذ كأخذهم وتترك كتركهم وتحبهم فحينئذ يعطيك اللّه نورا ترى به نفسك وغيرك ، يبين لك عيوبهم وعيوب الخلق ، فتزهدهم في نفسك وفي الخلق أجمع .