تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 136

مساهمون:

ص١٣٦
فإذا صح لك ذلك جاءت أنوار القرب إلى قلبك ، صرت مؤمنا موقنا عارفا عالما ، فترى الأشياء على صورها ومعانيها ، ترى الدنيا كما رآها من تقدّم من الزاهدين المعرضين ، تراها في صورة عجوز شوهاء قبيحة المنظر ، فهي عند هؤلاء القوم على هذه الصفة . وعند الملوك كالعروس المجلية في أحسن صورة ، هي عند القوم حقيرة ذليلة ، يحرقون شعرها ، ويخرقون ثيابها ، ويخمشون وجهها ، ويأخذون أقسامهم منها قهرا وجبرا على رغم أنفها ، وهم في صحبة الآخرة . ( يا غلام ) إذا صح لك الزهد في الدنيا فازهد في اختيارك ، وفي الخلق فلا تخالفهم ولا ترجوهم ، وفي جميع ما تأمرك به نفسك فلا تقبل منها إلا بعد مجيء أمر اللّه عزّ وجلّ . والغالب لك من حديث قلبك بطريق الإلهام أو المنام ، نافرا معرضا عن جميع المخلوقات . وإن سكنت جوارحك فلا عبرة ، ألا يضرّك ذلك ، العبرة بسكون القلب ، هو الداهية العظمى ، لا سكون لك حتى تموت نفسك وطبعك وهواك وما سوى مولاك ، فحينئذ تحيا بقربه ، موت ثم نشر ، ثم إذا شاء أنشرك له ، ردّك إلى الخلق لتنظر في مصالحهم وتردّهم إلى بابه ، يجيء لك الميل إلى الدنيا والآخرة لتتناول أقسامك منها ، تجيء لك القوّة على مقاساة الخلق فتردّهم من ضلالهم وتمتثل أمره فيهم . وإن لم تشأ ذلك ففي قربه لك كفاية ومندوحة عن غيره ، ما تقنع بالخلق بعد حصول الخالق المكوّن للأشياء قبل وجودها ، هو الكائن قبل كل شيء ، والمكوّن لكل شيء ، والكائن بعد كلّ شيء ، ذنوبكم كالأمطار ، فلتكن توباتكم كل لحظة في مقابلتها . ( ويحك ) أنت بطر ، أنت أشر ، أنت شبق ، أنت هوى ، أنت عبارة . انظر إلى القبور الدارسة وخاطب أهلها بلسان الإيمان فإنهم يخبرونك عن أحوالهم . ( يا غلام ) تدعي إرادة الحق عزّ وجلّ وإرادة أوليائه ، وأدعك لا أحكك وأعير عليك ، أنا محتسب بإذن الحق عزّ وجلّ ، أقطع أقفية المنافقين الكذابين في قلوبهم وأفعالهم ، قد احتسبت على الشيوخ مرارا كثيرة حتى صحت لي الحسبة .