تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
فكلما نظر إلى عيب أبصر عيوبا أخر فعلم أنها فانية ، عمرها إلى أمد قريب ، نعيمها زائل وحسنها متغير ، أخلاقها شرسة ، يدها ذابحة ، كلامها سموم ، ذواقة مطلاقة ، ليس لها مرجوع ولا أصل ولا عهد ، القيام فيها كالبناء على الماء فلا يأخذها قرارا لقلبه ولا دارا له ، ثم يترقى درجة ويقوى تمكنه ، فيعف الحق عزّ وجلّ ، فلا يأخذ الآخرة أيضا قرارا لقلبه ، بل يتخذ قربه من مولاه قرارا له في دنياه وأخراه ، يبنى لسرّه وقلبه دارا هناك . فحينئذ لا تضرّه عملرة تادنيا ولو بني ألفا من الدور لأنه يبني لغيره لا لاه ، يمتثل أمر اللّه عزّ وجلّ في ذلك ، ويوافق قضاءه وقدره ، يقيمه في خدمة الخلق وإيصال الراحة إليهم ، يواصل الضياء بالظلام في الطبخ والخبز ولا يأكل من ذلك ذرّة ، يصير له طعام يخصه لا يشاركه فيه غيره ، فيكون مفطرا عند طعامه ، صائما مجوعا عند طعام غيره . الزاهد صائم عن الطعام والشراب ، والعارف صائم عن غير معروفه ، فهو مجوع لا يأكل من غير يد طبيبه ، داؤه البعد ودواؤه القرب ، صوم الزاهد نهارا صوم العارف نهارا وليلا ، لا فطر لصومه حتى يلقى ربه عزّ وجلّ . العارف صائم الدهر دائم الحمى ، صائم الدهر بقلبه محموم بسرّه ، قد علم أن شفاءه لقاء ربه وقربه منه . ( يا غلام ) إن أردت الفلاح فأخرج الخلق من قلبك لا تخفهم ولا ترجعهم ولا تستأنس بهم ولا تسكن إليهم ، هرول عن الكل واشمئز منهم كأنهم ميتات جيف ، فإذا صح لك هذا فقد صحت لك الطمأنينة عند ذكر اللّه عزّ وجلّ والانزعاج عند ذكر غيره .