يا أهل الأرض اعجنوا أعمالكم بلا ملح ، تعالوا خذوا له ملحا ، يا شاري الملح تقدّم .
يا منافقين عجينكم بلا ملح ، فطير هو محتاج إلى خمير ، العلم وملح الإخلاص . يا منافق أنت معجون بالنفاق ، عن قريب ينقلب عليك نفاقك نارا ، أخلص قلبك من التفاني وقد تخلص .
إذا أخلصت الجوارح وتخلصت ، القلب راعي الجوارح فإذا استقام استقامت ، إذا استقام القلب والجوارح كما أمر المؤمن وصار راعيا على أهله وجيارنه وأهل بلده ، يرتفع حاله على قدر قوّة إيمانه وقربه من مولاه .
( يا قوم ) أحسنوا العشرة مع اللّه عزّ وجلّ واحذروا منه ، اعملوا بحكمة فإنه كلفكم العمل بحكمة الاشتغال بالعلم السابق فيكم ، اعمل بهذا الحكم واقض حقه ، فإنك إذا عملت به أخذ العمل بيدك وأدخلك على من عملت له فتستفيد منه علما لم تكن تعلمه ، فتكون معه بعلمه ومع خلقه بحكمه .
أنت أوّل ما علملت به تطلب الثاني ، إذا استقرّت أقدامك في الأول حينئذ اطلب الثاني ، الغلام ما لقيت ، كيف تلقى الأستاذ ؟ ارجع إلى ورائك وكن عاقلا ، حصل العلم وأخلص ، قال النبيّ صلى اللّه تعالى عليه وسلم :
( تفقه ثم اعتزل ) .
المؤمن من يتعلم ما يجب عليه ثم يعتزل عن الخلق ويخلوا بعبادة ربه عزّ وجلّ ، عرف الخلق فبغضهم ، وعرف الحق عزّ وجلّ فأحبه وطلبه وخدمه ، تبعه الخلق فهرب ، وطلب غيرهم زهدهم ورغب في غيرهم ، علم أن لا ضرّ ولا نفع ، ولا خير ولا شرّ في أيديهم ، وإن جرى على أيديهم شيء من ذلك فهو من اللّه عزّ وجلّ لا منهم ، فرأى أن البعد منهم خير من القرب .
رجع إلى الأصل وترك الفرع ، علم أن الفرع كثير والأصل واحد فتمسك به ، نظر في مرآة الفكر فرأى أن الوقوف على باب واحد خير من الوقوف على أبواب كثيرة ، فوقف عليه وتمسك به ، المؤمن الموقن المخلص عاقل قد أعطى عقل العقول ولهذا هرب من الناس وأخذ عنهم جانبا .
الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 137
مساهمون: عبد القادر الجيلاني
ص١٣٧