تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 131

مساهمون:

ص١٣١
كذلك صبروا على المرارة فانقلبت في حقهم حلاوة ، سكاكين القدر تقطع لحومهم ولا يبالون ولا يتألمون ، وذلك لرؤيتهم المؤلم ودهشتهم به ، الخلق منهم في راحة ، لا يتعدّى منهم إلى أحد ألم . قيل إن الأبرار الذين لا يؤذون الذرّ ، والذرّ هو نمل صغار لا يكاد يرى ، يواصلون الحق عزّ وجلّ بالطاعة والخلق بحسن العشرة والأهل بالصلة ، هم في نعيم دنيا وأخرى ، في الدنيا نعيم القرب ، وفي الأخرى الجنة . ورؤيتهم للّه عزّ وجلّ ودنوّهم منه والسماع لكلامه والتلبس بخلعه ، ما عليك منهم ، اشتغل بالتوبة من ذنوبك ووقاحتك على ربك عزّ وجلّ وتجرّيك عليه . ويلك الحياء من اللّه عزّ وجلّ يكون لا من الخلق ، هو الكائن قبل كل شيء ، فتستحي من المحدث وتتواقح على القديم ؟ هو الكريم وغيره لئيم - هو الغنيّ وغيره الفقير ، دأبه العطاء ودأب غيره المنع ، ارجع بحوائجك إليه فإنه أولى من غيره ، استدل عليه بصنعته . حافظ على حدود شرعه ولازم تقواه ، فإنك إذا دمت على تقواه دلك عليه واشتغلت به عن المصنوع ، استدل عليه واطلبه واترك الدنيا والآخرة ، فإن مالك منهما يأتيك ولا يفوتك ، تركك لما سواه يصفي قلبك من الأكدار . إن لم يدلك قلبك عليه فأنت كالهائم بلا عقل ، قم عن الدنيا وتعال إلى العقلاء الذين دلهم عقلهم على اللّه عزّ وجلّ ، فتعلم العقل منهم واعرف به نفسك وربك . ( ويحك ) عمرك يذوب وما عندك خبر ، إلى متى هذا الإعراض عن الآخرة والإقبال على الدنيا . ( ويحك ) رزقك لا يأكله غيرك ، موضعك من الجنة والنار لا يسكنه غيرك ، قد ملكتك الغفلة وأسرك الهوى ، كل همك في الأكل والشرب والنكاح والنوم وبلوغ أغراضك ، همك هم الكفار والمنافقين بعد ما تشبع من حلال أو حرام ، ما على قلبك كان لك دين أولا . يا مسكين ابك على نفسك ، يموت ولدك ، تقوم القيامة عليك ، يموت دينك ولا تبالى ولا تبكى عليه ، الملائكة الموكلون بك يبكون عليك لما يرون من خسرانك في بضاعة دينك ، مالك عقل ، لو كان لك عقل بكيت على ذهاب دينك ، معك رأس مال وأنت لا تتجربه .
الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 131 | عبد القادر الجيلاني