يا فقير اصبر على فقرك فإن فقر الدنيا ينقطع . عن النبيّ صلى اللّه تعالى عليه وسلم أنه قال لعائشة رضي اللّه تعالى عنها :
( يا عائشة تجرعي مرارة الدنيا لنعيم الآخرة ) .
ما تدري ما اسمك مع القوم ، شقيّ أم سعيد ؟ معلوم أن هذا في علم اللّه عزّ وجلّ وسباقته ، لكن لا تترك الخوف وتتوكل على العلم والسابقة فتمرق عن حدّ الشرع ، اجهد في فعل ما أمرت به ، وما عليك من هذا العلم السابق ، هذا شيء ما تعلمه أنت ولا غيرك ، هو جملة الغيوب .
القوم طووا فراش الدنيا وتنحوا عنها ، وقاموا بين يديّ مولاهم واشتغلوا بخدمته مع خدمه ، يأخذون منها تزوّدا لا تنعما ، بل يفعلون ذلك ضرورة ، يقومون بنياتهم على العبادة ، ويحصنون فروجهم من كيد الشيطان ومكره ، يمتثلون في ذلك أمر ربهم عزّ وجلّ ، ويتبعون سنة نبيهم صلى اللّه تعالى عليه وسلم .
كل شغلهم في امتثال الأوامر وتباع السنة ، هم نبوّ الهمة وقوّة الزهد في كل الأشياء ، اللهم اجعلنا منهم وأعد علينا من بركاتهم آمين .
( يا غلام ) ما دام حبّ الدنيا في قلبك لا ترى شيئا من أحوال الصالحين ، ما دمت مكديا من الخلق مشركا بهم لا تنفتح عينا قلبك ، لا كلام حتى تزهد في الدنيا والخلق ، كن مجتهدا تر ما لا يراه غيرك ، تخرق لك العادة ، إذا تركت ما هو في حسابك جاءك ما هو في غير حسابك ، إذا اعتمدت على الحق عزّ وجلّ واتقيته خلوة وجلوة رزقك من حيث لا تحتسب ، اترك أنت يعطك هو .
ازهد أنت يرغبك هو في البداية الترك وفي الآخرة الأخذ ، في بدء الأمر تكليف القلب بترك الشهوات والدنيا ، وفي الآخرة تناولها ، الأول للمتقين ، والثاني للأبدال الواصلين إلى طاعة اللّه عزّ وجلّ . يا مرائي يا منافق يا مشرك ، لا تزاحمهم فيما تترك ، هم معدودون ، لا تطلب أحوالهم فيما يقع بيدك .
هم خرقوا العادات وأنت حفظتها ، فلا جرم عند أمنك أمنوا عند خوفك ، بذلوا عند إمساكك ، عملوا للحق عزّ وجلّ وعملت أنت لغيره ؛ أرادوه وأردت أنت غيره ؛ سلموا الأمر إليه وجاذبته أنت وحاربته ، فغنوا بقضائه ، وقطعوا ألسنتهم عن الشكوى إلى الخلق ولم تفعل أنت .
الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 130
مساهمون: عبد القادر الجيلاني
ص١٣٠