تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
ويقال لقلبك هذا لك وهذا لعيالك . كيف تصل إلى هذا المقال وأنت عمرك كله كشرك محجوب مطرود ، لا تشبع من الدنيا وجمعها ، أغلق باب قلبك وأيئس الكل من الدخول إليه ، وأنزل فيه ذكرك الحق عزّ وجلّ حسب ، وتب توبة في إثر توبة من أعمالك ، وندامة في إثر ندامة من تجرّيك وسوء أدبك . وأكثر البكاء على ما كان منك ، وواس الفقراء بشيء من مالك لا تبخل به ، فعن قريب تفارقه ، المؤمن الموقن بالخلف في الدنيا والآخرة لا يكون بخيلا . عن عيسى عليه الصلاة والسلام أنه قال لإبليس : من أحبّ الخلق إليك ؟ قال : مؤمن بخيل ، قال : ومن أبغضهم إليك ؟ قال : فاسق كريم ، ثم قال له : لم ذلك ؟ قال : لأني أرجو المؤمن البخيل أن يوقعه بخله في المعصية ، وأخاف من الفاسق الكريم أن تمحى سيئاته بكرمه . اشتغل بالدنيا للدنيا . الشرع إنما شرع الكسب ليستعان به على طاعة الحق عزّ وجلّ ، أما أنت إذا اكتسبت استعنت به على المعصية ، وتركت الصلاة وفعل الخير ولم تخرج الزكاة ، فأنت في معصية لا في طاعة . يصير كسبك كقطع الطريق . عن قريب يجيء الموت ، فيفرج به المؤمن ، ويغتمّ له الكافر والمنافق . عن النبيّ صلى اللّه تعالى عليه وسلم أنه قال : ( إذا مات المؤمن يتمنى أنه ما كان في الدنيا ولا ساعة لما يرى من كرامة اللّه عزّ وجلّ له ) . أين التائب الثابت على توبته ؟ أين المستحي من ربه عزّ وجلّ المراقب له في جميع الأحوال ؟ أين المتعفف عن المحارم في خلوته وجلوته ؟ أين الغاضّ لبصر قلبه وقالبه ؟ عن النبيّ صلى اللّه تعالى عليه وسلم أنه قال : ( إنّ العينين ليزنيان ، وزناهما النّظر إلى المحرّمات ) . كم تزني عينك بالنظر إلى المحر من النساء والصبيان ، أما سمعت قول اللّه عزّ وجلّ :
قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ
« 1 » .
هامش
( 1 ) سورة النور : آية 30 .