وإذا صح لك الاستغناء بقربه صب عليك فضله ، وفتح عليك أبواب أقسامه باب لطفه ورحمته ومنته ، قبض عليك الدنيا بسطها إلى نهاية ، وهذا الآحاد أفراد من الأولياء والصدّيقين لعلمه لتقواهم فإنهم لا يشتغلون عنه بشيء .
وأما الغالب منهم فالدنيا عنه مقبوضة ، لأنه يحبّ فراغهم له ، ودخولهم عليه ، وطلبهم منه ، ولو أعطاهم الدنيا لعلهم كانوا يشتغلون بها عن خدمته ويقعدون معها ، هذا هو الأغلب ، وذلك نادر والنادر لا يتعلق عليه حكم ، نبينا صلى اللّه تعالى عليه وسلم من جملة من عرضت عليه الدنيا ولم يشتغل بها عن خدمته ، لم يلتفت إلى الأقسام مع كمال الزهد والإعراض ، عرضت عليه مفاتيح كنوز الأرض فردّها وقال :
( ربّ أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني مع المساكين ) .
الزهد منة صالحة ، وإلا فما يقدر أحد أن يزهد قسمه ، المؤمن يستريح من ثقل الحرص لا يشره ولا يستعجل ؛ زهد في الأشياء بقلبه وأعرض عنها بسرّه واشتغل بما أمر به ، وعلم أن قسمه لا يفوته فلم يطلبه ، ترك الأقسام تعدو خلفه وتذلّ وتسأله قبولها .
( يا غلام ) تحتاج إلى إيمان يسيرك في طريق الحق عزّ وجلّ ، وإلى إيقان يثبتك فيها ، تحتاج في أول سلوكك في هذا الطريق إلى هميان ، وفي آخره إلى إيمان ، بخلاف طريق مكة .
بعضهم قال : طريق مكة يحتاج إلى إيمان وهميان ، وهذه الطريق التي قد أشرت إليها تحتاج إلى هميان وإيمان ، بداية ونهاية .
( عن سفيان الثوري ) رحمة اللّه عليه أنه أوّل ما طلب العلم كان على وسطه هميان فيه خمسمائة دينار ينفق منه ويتعلم ويدّق عليه بيده ويقول : لولاك لتمندلوا بنا ، فلما حصل له العلم وعرف الحق عزّ وجلّ أنفق ما بقي معه على الفقراء في يوم واحد .
وقال : لو أن السماء حديد لا تمطر ، والأرض صخر لا تنبت ، واهتممت برزقي في الطلب إني كافر . عليك بالكسب والتعلق بالسبب إلى أن يقوى إيمانك ، ثم انتقل من المسبب ، عليهم السلام اكتسبوا وافترضوا وتعلقوا بالأسباب في أول أمرهم وفي الآخر توكلوا ، جمعوا بين الكسب والتوكل بداية ونهاية ، شريعة وحقيقة ، يا محروم لا تخل من يدك الكسب في التوكل على ما في أيدي الناس وتكدى منهم فتكفر نعمة الأقدار
الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 125
مساهمون: عبد القادر الجيلاني
ص١٢٥