تقرب أكثر أهل الزمان فأنهم ذئاب عليهم ثياب ، خذ مرآة الفكر وانظر فيها ، واسأل اللّه عزّ وجلّ أن يبصرك بك وبهم ، إني قد خبرت الخلق والخالق فوجدت الشر عند الخلق والخير عند الخالق . اللهم سلمنا من شرورهم ، وارزقني خيرك دنيا وآخرة .
إني لا أريدكم لي وإنما أريدكم لكم ، في حبالكم أفتل ، ما آخذ منكم شيئا إلا لكم لا لي . عندي فيما يخصني غنى عما آخذه منكم ، ما عندي إلا الكسب أو التوكل على اللّه عزّ وجلّ ، لا أنتظر ما تأتوني به كما ينتظركم هذا المنافق المرائي المتوكل عليكم الناسي لربه عزّ وجلّ ، أنا محك أهل الأرض فكونوا عقلاء ، ولا تتبهرجوا علي فإني أعرف جيدكم من رديئكم بتوفيق اللّه عزّ وجلّ وتأهيله لي ، إن أردت الفلاح فكن سندانا لقضيبي حتى أقرع دماغ نفسك وهواك وطبعك وشيطانك وأعدائك وأقرانك السوء .
استعينوا بربكم عزّ وجلّ على هؤلاء الأعداء ، والمنصور من يصبر عليهم ، والمخذول من وكل إليهم . الآفات كثيرة ومنزلها واحد ، الأمراض كثيرة وطبيبها واحد .
يا مرضى النفوس سلموا نفوسكم إلى الطبيب ، لا تتهموه فيما يفعل بكم فهو أرأف بكم منكم على نفوسكم ، احرسوا بين يديه ولا تعارضوه ، وقد رأيتم الخير كله في الدنيا والآخرة ، القوم في سكوت كلي وخمود كلي ودهشة كلية .
. فإذا تم لهم ذلك وداموا عليه أنطقهم كما ينطق الجمادات يوم القيامة ، لا ينطقون إلا إذا أنطقوا ، لا يأخذون إلا إذا أعطوا ، لا ينبسطون إلا إذا بسطوا ، التحقت قلوبهم بقلوب الملائكة ، قال اللّه عزّ وجلّ :
لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ( 6 )
« 1 » .
التحقوا بالملائكة وزادوا عليهم بالمنزلة ، زادوا عليهم بالمعرفة باللّه عزّ وجلّ والعلم به ، والملائكة غلمانهم وأتباعهم ، يستفيدون منهم لأن الحكم تصب في قلوبهم صبا ، قلوبهم محروسة من جميع الآفات ، تأتي إلى جوارحهم ومبانيهم ونفوسهم .
أما قلوبهم فلا ، إن أردت الوصول إلى منازلهم فعليك بتحقيق الإسلام ، ثم ترك الذنوب ما ظهر منها وما بطن ، ثم الورع الشافي ، ثم الزهد في مباح الدنيا وحلالها ، ثم الاستغناء بفضل اللّه عزّ وجلّ ، ثم الزهد في فضله والاستغناء بقربه .
هامش
( 1 ) سورة التحريم آية : 6