على شيء إلا قطعه ، اقبلوا مني فإني ناصح لكم ، أريدكم لكم ، أنا ميت عنكم وحيّ بالحق عزّ وجلّ ، من صدقني في الصحبة انتفع وأفلح ، ومن كذبني وكذب في صحبتي حرم وعوقب عاجلا وآجلا . من جملة أسباب معرفته ترك المنازعة له والاعتراض عليه والرضا بتدبيره .
ولهذا قال مالك بن دينار لبعض مريديه : إن أردت معرفة اللّه عزّ وجلّ فارض بتدبيره وتقديره ، ولا تجعل نفسك وهواك وطبعك وإرادتك شركا له فيهما ، يا أصحاء الأجساد ، يا متفرّغين من الأعمال ، إيش يفوتكم من ربكم عزّ وجلّ ؟ لو اطلعت قلوبكم على ذلك لتحسرتم وندمتم ، انتبهوا .
( يا قوم ) أنتم عن قريب موتى ، ابكوا على أنفسكم قبل أن يبكي عليكم ، لكم ذنوب مزدحمة على عاقبة مبهمة ، قلوبكم مرضى بحبّ الدنيا والحرص عليها ، داووها بالزهد والترك والإقبال على الحق عزّ وجلّ .
سلامة الدين رأس المال ، والأعمال الصالحة هي الأرباح ، ارتكوا الطلب لما يطغيكم ، واقنعوا بما يكفيكم . العاقل لا يفرح بشء حلاله حساب وحرامه عقاب ، أكثركم قد نسوا العقاب والحساب .
( يا غلام ) إذا حضر بين يديك شيء من الدنيا ورأيت قلبك يشمئز منه فاتركه ، ولكن لا قلب لك ، كلك نفس وطبع وهوى ، اصحب أرباب القلوب ختى يصير لك قلب .
لابد لك من شيخ حكيم عامل بحكم اللّه عزّ وجلّ ، يهذبك ويعلمك وينصحك . يا من باع كل شيء بلا شيء واشترى لا شيء ، قد اشتريت الدنيا بالآخرة وبعت الآخرة بالدنيا ، أنت هوس في هوس ، عدم في عدم ، جهل في جهل ، تأكل كما تأكل الأنعام من غير تفتيش ولا احتساب ولا سؤال ، من غير نية من غير أمر من غير فعل . المؤمن يأكل مباح الشرع . والوليّ يؤمر بالأكل وينهي عنه من حيث قلبه ، والبدل لا يهتم بشيء ، بل يفعل الأشياء وهو في غيبته مع ربه عزّ وجلّ وفنائه فيه .
فالوليّ قائم مع الأمر ، والبدل مسلوب الاختيار ، وكل ذلك مع حفظ حدود الشرع . الفاني عنه وعن الخلق يحفظ حدود الشرع ثم يستصرخ في بحر القدرة ، فأمواجه ترفعه تارة وتخفضه أخرى ، وتقلبه على الساحل تارة وتوقعه في وسط اللجة أخرى ، يصير كأصحاب الكهف الذين قال اللّه عزّ وجلّ في حقهم :
الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 104
مساهمون: عبد القادر الجيلاني
ص١٠٤