وأمّا كون الغفلة عن حقيقة ذات اللّه سبحانه توحيدا ؛ فلأنّ غاية معرفة الذات أن يعرف أنّ حقيقتها لا تعرف ، فمن وصل إلى هذه المعرفة وجد نفسه غافلا عن حقيقة الذات ، وذلك محض الإيمان .
وقال : ( القيام مع اللّه بلا واسطة جهل ، وبالواسطة توحيد ) .
أقول : التوحيد هنا بمعنى علم المعرفة ؛ لوقوعه في مقابل الجهل ، والواسطة بمعنى الحجاب ، يعني إذا ارتفع الحجاب بين اللّه وبين العبد ، اضمحلّ وجوده في نور شهوده ، وصار علمه جهلا ؛ لتلاشيه في نور العلم القديم ، وإذا أسدل عاد نور المعرفة ، كما إذا ارتفع الحجاب بين الشمس والكواكب ، تلاشى نوره في نورها ، ثمّ إذا ظهر الحجاب بينهما ، عاد نور الكواكب .
بيان التصوّف
قال : ( التصوّف حياة بلا موت ، وموت بلا حياة ) .
أقول : أي حياة بالحقّ بلا موت ، وموت عن الباطل بلا حياة ، فمن مات عن الشهوات الدنيويّة ، واللذّات العاجلة ، قبل الموت الطبيعي ، بحيث تمتنع معاودته إليها ، وحيى بالحياة الباقية التي لا موت بعدها ، فهو متصوّف .
وقال : ( التصوّف إهلاك الأموال ) .
أقول : التصوّف معنى يشترط في بدايته الإيثار والفقر ، وفي نهايته زيادات أخر ، من ترك الاختيار ، والفناء في اللّه عزّ وجلّ ، والبقاء به ، فقوله : ( التصوّف إهلاك الأموال ) ، إشارة إلى لباس التصوّف .
وقال : ( التصوّف برق محرق ) .
أقول : إشارة إلى وصفه المقتضي للفناء .
وقال : ( التصوّف : ما ظهر فقهر ، وبطن فخبر ) .
أقول : أي ظهر في السرّ فقهر الوجود ، وبطن عن نظر الشهود ، فعلم باطن الوجود ، وورد في الأدعية المأثورة عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وصحبه