أقول : أي الصوفيّ يسع حاله كلّ شيء ، ولا يسع شيء من الأشياء حاله ، وهو يتصرّف في كلّ شيء ، ولا يتصرّف شيء فيه ؛ لسعة قلبه وإحاطته ، لأنّه إذا انشرح بنور اليقين وسع كلّ شيء وأحاط به ، وكأنّه سمّي القلب قلبا لتقلّبه مع الأشياء تقلّب المرآة مع ما يحاذيها من الصور .
وقال : ( التصوّف بحر بعيد القعر ، ماؤه الحياة ، وغرقه الموت ) .
أقول : أي هو بحر لا نهاية له ، ماؤه علم المعرفة الذي به حياة القلب ، والغرق موت النفوس عن الحظوظ ، والشهوات .
وقال : ( استمرّ نقل الصوفيّ عن المفعول به ، واسمه مضمر في فعله ) .
أقول : يعني اسم الصوفيّ منقول عن المفعول به ، وهو فعل ما لم يسمّ فاعله ، من المصافاة ، وهي الموالاة الصافية عن كدورات العلل ، أقيم المفعول به مقام الفاعل ، تقديره صوفيّ المسمّى صوفيّا ، فاسمه مضمر في فعله .
بيان وصف الطريق
قال : ( طريق اللّه عفي ودرس ، لا يوصف لعبد ، قد بقي اسمه للحجّة ، وذهبت آثار المحجّة ، وإنّما درس الطريق لقلّة الناس ، وغفلة الغفلة ، وقلّة سلوك الناس فيه ، بل الطريق من الحقّ واضح ، وإنّما أخفي لتخليط الناس ، وتغيّر الزمان ) .
أقول : ظاهر هذا القول مستغن عن البيان ، وحاصل معناه أنّه حكم على طريق الحقّ سبحانه بالادراس لقلّة الناس ، والانطماس لقلّة سالكيه ، ثمّ أخبر عنه بالوضوح ، وأحال إخفاءه على تخليط الناس ، وتغيّر الزمان ، وإنّما حكم على بقاء اسمه بأنّه للحجّة ؛ لأنّ حجّة اللّه تعالى على الناكبين عنه .
قال : ( الطريق إلى كلّ شيء بمقدار الشيء ، والشيء معروف في أصله ، موصوف بطريقه ) .
أقول : أراد أنّ الطريق إلى كلّ مطلوب بحسبه ، إن كان واضحا فطريقه واضح ، وإن كان غير واضح فطريقه كذلك ، والمطلوب الذي توجّه إليه طلبة الحقّ واضح ، معروف في أصله ، موصوف بكيفيّة الطريق إليه ، فلذلك يتّضح طريقه ، بل هو أعرف المعارف وأوضحها ، وكذلك طريقه أوضح الطرق ، واللّام