الخروج من الدنيا والنفس سرّه وفائدته طلب الحقّ ، ووصف التفريد بأنّه من عين التوحيد ، للإشعار بأنّه من لوازمه .
وقال : ( إذا نطق السرّ بلسان التفريد من غير رؤية ثواب ، ولا مخافة عقاب ، فحسر السرّ بعد قيله ، وأخرس اللسان غلة غليله ، فذاك تجريد التوحيد ) .
أقول : المراد بالسرّ القلب ، وبنطقه وقيله دعاؤه واستغاثته بربّه ، والغلة والغليل بمعنى العطش ، والإضافة بينهما للمبالغة ، كالإسناد في جدّ جدّه ، وجواب إذا فذاك ، وذا إشارة إلى مجموع النطق ، وحسور القلب ، وخرس لسانه ، والمراد بالتوحيد إفراد المعبود عن المشارك ، وتجريده خلع الطلب من الطالب .
أي إذا دعا القلب ربّه بلسان التفريد ، وهو أن لا يرجو على العمل ثوابا ، ولا يخاف على الترك عقابا ، فأمسك عنه بعد ذلك ، وأخرس لسانه شدّة عطشه وشوقه ، فذاك المعنى تجريد التوحيد ، فكما أنّ الموحّد يجرّد المطلق عن الشريك ، فكذلك توحيده يجرّد الطالب عن الطلب .
بيان التوحيد
قال : ( التوحيد إثبات الاسم ، والمعرفة نسيان الحقيقة ) .
أقول : التوحيد في أصل اللغة جعل ما ليس بواحد واحدا ، وإلّا لكان تحصيل الحاصل ، فهذا المعنى في الواحد الحقيقيّ لا يتصوّر ؛ ولذلك قال :
( التوحيد إثبات الاسم ) ، أي اسم بلا مسمّى ، وحقيقة التوحيد أن يعرف أنّ الواحد لم يزل واحدا بلا توحيد موحّد .
وقوله : ( المعرفة نسيان الحقيقة ) ؛ لأنّها ما دامت مذكورة توهم مغايرة الذاكر والمذكور ، وحقيقة المعرفة تحكم باتّحادهما .
وقال : ( الأقوياء من العارفين يدورون في ميادين التوحيد ، ووجدت البقاء بتجريده الطلب عن الطالب ، وتجرّد المطلوب عن رؤية تجريد توحيده ) .
أقول : الضمير في تجريده للتوحيد ، وفي توحيده للطالب ، وإضافة التجريد إلى التوحيد يجرّد صاحبه عن الطلب ، وما خيّل إلى بعض المتوهّمين