في الشيء للعهد الذهني ، والمعهود الحقّ ، كأنّه لاشتغال الضمير به معهود ، وكنّى بالشّيء عن كونه أعرف المعارف من حيث إنّه أظهر الضروريات .
بيان المكر والاستدراج
قال : ( لا يخلو طريق اللّه من حاجب وماكر ، وفي الطريق ألف بحر ، ولكلّ بحر ألف سفينة ، وفي كلّ سفينة ماكر وحاجب ، فمن ركب السفينة فلا بدّ له من رؤية الماكر ، ثمّ إنّ عند أهل الحقيقة ، والسالكين طريق المخاطرة ، والذاهبين إلى الحقّ في خفاء صفاء الماء ، والغارقين في بحر التوحيد ، والذين عبروا البحار بلا رؤية بحر ، ولا رؤية سفينة ، أنّ السفينة مكر بعينه ، والبحر حجاب .
فمن يرى الحجاب بعجزه ، وبرؤية نفسه ، وطلب سلوكه ، فلا بدّ له من سفينته ، وهو ممكور لها .
ومن يرى الحجاب بحقيقة وجده ، ومشاهدة حقّه ، غيّب عنه المرئيّ حقيقة الرؤية ، وأمن البحر والحجاب ، فعبر البحر بلا رؤية بحر ، وذلك لغلبة استماع النداء والدعوة ، وهو طريق أهل التجريد والمخاطرة ) .
أقول : اشترك المكر والكيد والاستدراج في معنى واحد ، وهو إخفاء مراد في غير مراد ، لتوهّم أنّه هو المراد ، وهذا المعنى من اللّه تعالى في حقّ الكفار ، وإمهالهم في ظاهر النعمة من الصحّة ، والعافية ، والغنى ، وتأخير عقوبتهم على ما كانوا يفعلون من العناد ، والجحود ؛ ليتمادو في عصيانهم وطغيانهم ، ويتضاعف عذابهم ؛ كما قال سبحانه :
وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ
( 178 ) [ آل عمران : الآية 178 ] .
فإمهالهم حيث يكون سببا بحسبانهم الخير لأنفسهم ، مع إرادة الشرّ من حيث لا يعلمون ، ومعنى المكر والكيد والاستدراج ، قال سبحانه :
إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً ( 15 ) وَأَكِيدُ كَيْداً ( 16 ) فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً ( 17 )
[ الطّارق : الآيات 15 - 17 ] ، وقال تعالى :
سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ( 182 ) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ
( 183 ) [ الأعراف : الآيتان 182 ، 183 ] .