أنّ صاحبه يجرّد المطلوب عن الشريك فهو غلط ، لأنّ المطلوب متجرّد عنه بذاته لا بتجريد موحّد ، فلذلك أخبر الشيخ أنّ الأقوياء من العارفين يدورون في ميادين التوحيد ، وأخبر عن التوحيد الذي وجد في وقته بوصفين :
الأوّل : تجريده ، أي خلعه وصف الطلب عن الطالب ، لأنّ الطلب يشعّر بالإثنينية المنافية للتوحيد .
والثاني : تجرّد المطلوب عن رؤية تجريد توحيده ، لأنّ وحدة المطلوب لو كانت بتجريد توحيد الطالب ، لكانت غير ذاتية .
وقال : ( الفرار من اللّه عزّ وجلّ توحيد ، والفرار معه جهل ) .
أقول : الفرار من الشيء ضد الفرار معه ، والعبد في البداية يفرّ من الخلق ، ولا يكون له مع اللّه تعالى فرار ، إلّا بالفرار منهم ؛ كما قال اللّه عزّ وجلّ حكاية عن كليمه - عليه السّلام - :
فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ
( 21 ) [ الشّعراء : الآية 21 ] .
وفي الوسط يفرّ من نفسه ، وبقدر هذا يفرّ من ربّه أيضا ؛ أي يزول عنه تصوّر المعيّة ، ويتناوب فيه الفرار منه والفرار معه ، فلا يستقرّ له مع اللّه تعالى فرار ؛ لقهر سطوات الوحدة ، ولا منه فرار .
وفي النهاية يتحقّق له الفرار منه ؛ لتحقّق فراره من نفسه ، فمعنى قوله :
( الفرار من اللّه عزّ وجلّ توحيد . . . ) الخ ، أنّ زوال وجود العبد من ثبات وجود الحقّ وحيد ، وهو التوحيد ؛ كزوال وجود الظلّ من وجود الشمس ، وثبات وجوده مع وجود الحقّ جهل ؛ لأنّه هو الواحد الأحد ، الذي ليس معه أحد .
وقال : ( مصادفة الهمّة مصادر الأحكام ، بلا رؤية حكم من جهة وعد ، أو وعيد ، بإفراد الإشارة ، توحيد التفريد ) .
أقول : اعلم أنّ الموحّدين صنفان :
1 - صنف دعاهم إلى التوحيد ملاحظة حكم الوعد والوعيد ، وهم عوام الموحّدين ، الذين بعثهم على الإقرار بالوحدانية رغب في الثواب ، ورهب من العقاب ، أولئك عبيد أنفسهم ، يطلبون بذلك حظوظها .