أمّا الأول ؛ فلأنّ قبل اتّصال الروح بالبدن ، يتحقّق بمفارقتها معنى الموت ، وبعدم العلم معنى الغفلة ، وبعد مفارقة البدن تحصل الحسرة ، والندامة على فوات التمكّن من تحصيل أسباب السعادة .
وأمّا الثاني ؛ فلأنّ قبل اتصال العلم بالعالم تكون حالة الغفلة ، وبعده إذا فقد حال العلم الشهودي ، تكون حالة الحسرة على فوات المشهود .
وقال : ( الموت بعد الحياة حيرة ) .
أقول : سبق بيانه .
وأمّا قوله : ( الحياة بعد الموت حيرة ) .
فمعناه على الأوّل ، أنّ الميت إذا أحياه اللّه بعد موته ، وانكشف له سرّ القيامة ، تحيّر في شهوده . وعلى الثاني ، أن المحجوب عن علم المشاهدة ، إذا لاح له نور المشاهدة ، تحيّر نظر البصيرة في شعاعه .
وقال : ( من أماتته الغفلة لا يحيى أبدا ، ومن أماته الذّكر لا يموت أبدا ) .
أقول : نفي الحياة الحقيقيّة الأبديّة المعنويّة عمّن أماتته الغفلة بالموت المعنوي ، وذلك ظاهر ، وإثباتها لمن أماته الذكر ؛ لأنّ ذكر اللّه تعالى يميت الذاكر عن ذكر الغير ، ويحييه بالمذكور أبدا .
وقال : ( من لم يذق مرارة الموت بعد الحياة ، لم يشم روح الحياة ) .
أقول : أي من لم يمت عن الحياة الفانية بالإرادة ، لم يجد شمّة من روح الحياة الباقية .
وقال : ( من أحياه الموت دامت حياته وهو ميت ، ومن أماتته الحياة دام موته وهو حيّ ) .
أقول : أي من حيى بالحياة الأخرويّة ، بسبب موته عن الحياة الدنيويّة ، دامت حياته ، الحال أنّه ميت ، ومن مات عن الحياة الأخرويّة بسبب الحياة الدنيويّة دام موته ، والحال أنّه حيّ .
شرح كلمات بابا طاهر العريان — صفحة 144
مساهمون: عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى
ص١٤٤