وقال : ( الجمع موافقة المراد ، والتفرقة موافقة العلم ) .
أقول : يعني جمع العبد أن يوافق الحقّ في مراده به ، قربا كان أو بعدا ، رحمة أو عذابا ، وتفرقته أن يوافق العلم ، فيختار القرب على البعد .
وقال : ( الجمع علم اللّه تعالى في معلومه قبل وجود المعلوم ، والتفرقة ما طلب المعلوم به من حقائق جمعه ) .
أقول : هذا وجه آخر لمعنى الجمع والتفرقة ، وهو أنّ الجمع الحقيقيّ من الجامع الأزليّ سبحانه ، وجود العلم القديم قبل وجود المعلوم ؛ أي الخلق بحقائق الجمع ، فيكون الجمع وصف العبد ، بعد كونه وصف الحقّ .
وقال : ( الجمع حال ، واللّه تعالى هو الجامع ، ورسم الجمع يقع على تفرقة قد جمع ، فصار جمعا بعد تفرقته ، وسمّي به بعد ما كان موسوما بغيره ) .
أقول : والتفرقة أصل حال البشر ، فمن جمعه الحقّ فهو مجموع ، ومن فرّقه كان ذلك وصفه ، واللّه تعالى الجامع المفرّق ؛ أي الجمع حال شريف من الجامع سبحانه ، وحصوله في العبد مسبوق بتفرقة ، هي وصف له ، يصير جمعا بعد تفرقته ، أي بعد كونه تفرقة بجمع الجامع ، ويسمّى بالجمع بعد ترسّمه بوصف التفرقة .
فالمجموع من جمعه الحقّ من تفرقته ، والمتفرّق يكون متفرّقا بوصفه الأصلي ، الذي جعله اللّه تعالى عليه ، فكما أنّ جمعه من اللّه ، فالتفرقة أيضا منه ؛ لأنّه الجامع المفرّق .
وقوله : ( قد جمع ) صفة تفرقة ، وذكّر لأنّ التفرقة بمعنى التفريق ، وكذلك الضمائر المذكورة العائدة إليها ، والضمير في ( به ) و ( بغيره ) عائد على الجمع ، وذلك إشارة إلى التفرقة .
وقال : ( التفرقة العبوديّة ، والجمع لا يوصف إلّا بتطريق ، وجمع الجمع لا يهتدي إليه بالعبارة ، وينتهي إلى الحيرة والخرس ) .
أقول : التطريق تخلية الطريق ، والخرس بمعنى البكم ، وقوله : ( التفرقة العبوديّة ) لا الجمع ، حكم برفع التفرقة بين العبوديّة والربوبيّة ، والعبد مأمور بهذه التفرقة ؛ لتأتي منه العبوديّة .
شرح كلمات بابا طاهر العريان — صفحة 142
مساهمون: عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى
ص١٤٢