والجمع والتفرقة من اصطلاحات الصوفيّة ، يعنون بالجمع توحيد الوجود ، بحيث لا يبقى فيه التمييز بين القديم والمحدث ، والذات والصفات والأفعال ، وبالتفرقة التمييز بين الربوبيّة والعبوديّة ، والقديم والمحدث ، والذات والصفات والأفعال ، وهما حالان شريفان ، يطلع نور الجمع الصرف من الأفق الذاتي في بدوّ أمر التوحيد ، ونور التفرقة بعد الجمع من الأفق الأعلى في نهايته .
وهذه التفرقة تميّز من الصفات المتغايرة في ذات واحدة ، وهي الذات الأزليّة ، والأفعال المتعدّدة الصادرة عنها .
وأمّا التفرقة منها في ذوات متكثّرة ، فهي تفرقة مذمومة ، ليست من الأحوال بشيء ؛ إذ هي الشرك ، وأكثر الناس محجوبون بها عن الجمع ، لإقامة رسم الحكمة ، ومصلحة عالم الخلق ،
إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ
[ النّور :
الآية 44 ] .
وقال : ( الجمع جمع المراد قبل إظهار المريد ، والتفرقة إظهار المريد لحقيقة جمع المراد ) .
أقول : عبّر عن الجمع والتفرقة هنا بعبارة أخرى ، يتّحد المقصود منها بالأوّل ، وهو أنّ سرّ المجموع قبل الظهور تتعلّق بإظهاره إرادة الحقّ ، المعبّر عنها بلفظ : « أحببت أن أعرف فخلقت الخلق لكي أعرف » « 1 » ، وكان المريد عين المراد حينئذ ، فلمّا أنشأ الخلق ، وأظهر سرّ هذه الإرادة فيهم ، وقعت المغايرة والتمييز بين المريد والمراد .
وقوله : ( لحقيقة جمع المراد ) محلّه النصب بمفعولية المريد ، أي الذي يريد حقيقة المراد الأزلي من المريد الحادث .
وقال : ( الجمع والتفرقة حالتان ، واللّه تعالى هو الجامع والمفرّق ، فمن جمعه الحقّ بالحقيقة فرّقه بالعلم ، فكان الجمع حقيقة مراده ، والتفرقة شرائط علمه ) .
أقول : المراد بالحقيقة التي يجمع بها العبد معرفته ، فإنّها هي الدالّة على حقيقة الأمر ووحدته ، وبالعلم على الشريعة ؛ فإنّه الفارق بين الأحكام ، يقول :
هامش
( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .