( الجمع والتفرقة حالتان ) ، تدوران على العبد ، ينسّبهما الجامع المفرّق سبحانه ، فيجمعه بالمعرفة ويكون معنى الجمع مراده ، ويفرّقه بالعلم وتكون التفرقة من شرائط علمه ، فيميّز بين الخالق والمخلوق ، والحلال والحرام ، والخير والشرّ ، مع مشاهدة الوجود أمرا واحدا ، لا تفرّق فيه .
وقال : ( من جمعه الحقّ من الأغيار ، وتفرقة الاعتبار ، تصرّفت أحكامه على حكم الاختيار ) .
أقول : أي من جمعه الحقّ برؤيته من رؤية الأغيار ، ويجمعه عن تفرقة رؤية الغير ، تصرّفت أحكامه عن اختيار الحقّ ، والاعتبار في الأصل بمعنى العبور ، وفي الاستعمال هو عبور النظر من الباطل إلى الحقّ ، قال اللّه تعالى :
فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ
[ الحشر : الآية 2 ] .
وأنّه أراد بتفرقة الاعتبار تفرقة الشهود بين أفراد الوجود ، والتفرقة بالجرّ عطف على الأغيار ، وأراد بالاختيار اختيار الحقّ ، فإذا جمعه الحقّ كانت أحكامه في التصرّفات على حكم اختيار الحقّ .
وقال : ( من جمع مراد الحقّ ، ولم يفرّقه بوصفه ، فهو مجموع بشرط ، ومن جمعه الحقّ بمراد ، كان وصفه ونعته ما جمع به ) .
أقول : الضمير البارز في ( يفرّقه ) يعود إلى المراد ، وفي ( وصفه ) و ( نعته ) إلى ( من ) ، وفي ( مراده ) إلى ( الحقّ ) ، وفي ( به ) إلى ( ما ) ، وهي مع صلتها كناية عن المراد .
يعني ، من آثر مراد الحقّ على مراده ، ولم يفرّقه بإبداء وصفه ، وهذا حال المريد الواصل إلى معنى الجمع بالاجتهاد . وأمّا مراد الذي جمعه الحقّ بمراده ، فهو فان عن وصفه ومراده ، ولم يكن له مراد إلّا مراد الحقّ ؛ لقيامه به ، فجمعه يكون ذاتيّا ، غير مشروط بترك إرادته .
وقال : ( الجمع غلبة مراد اللّه عزّ وجلّ ، والتفرقة حقيقة مراد اللّه تعالى ) .
أقول : أي الجمع الذي هو من العبد يغلّب مراد الحقّ على مراده ، والتفرقة التي هي مخالفة مراده مراد الحقّ ، حقيقتها مراد اللّه تعالى أيضا ، فإنّه ما لم يشأ لم يكن .