تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح كلمات بابا طاهر العريان — صفحة 133

مساهمون:

ص١٣٣
وقال : ( من أحرقته الغيرة لا تخمد ناره أبدا ، ومن أحرقته المحبّة أخمدت ناره بلقاء المحبوب ) . أقول : أي الغيرة لا تسكن مرارتها أبدا لعدم انتهائها . وأمّا حرارة المحبّة فهي تسكن عند لقاء المحبوب ، وفي هذا نظر ؛ لأنّ أهل اللّقاء يزدادون بكلّ نظرة محبّة جديدة ، وهذا الشوق لا ينتهي أبدا لعدم انتهاء العطايا والمنح لأهل الوصول . وقال : ( حقيقة الغيرة في الوصول أن تغار على الحقّ أن يكون مثلك عبده ) . أقول : من لوازم غيرة المحبّ إذا بلغ الغاية أن يغار على محبوبه ، أن يكون مثله يحبّه ، لما يظهر له من عظمة المحبوب ، وحقارة نفسه ، وفي هذا المقام قوله : « أغار عليك منك فكيف منّي » :
دع عنك ذكري باللّسان فإنّني * أغار من اسمي أن يقبّل فاكا « 1 »
وقال : ( حقيقة الغيرة أن تغار عليه أن يكون لك ) . أقول : هذا المعنى عين ما سبق بعبارة أخرى ؛ لأنّ الغيرة على الحقّ أن يكون ربّا لك ، هي الغيرة عليه أن تكون عبدا له . وقال : ( حقيقة المحبّة تقتضي الروح ، وتطلب الحياة بعد الموت ، وحقيقة الغيرة تقتضي الروح ، وتطلب الموت بعد الموت ) . أقول : هذا الفصل كالتفسير لما قبله ، من أنّ الغيرة لا تخمد نارها أبدا ، والمحبّة تخمد نارها بلقاء المحبوب ؛ لأنّه حكم على كل من المحبّة والغيرة باقتضاء الروح ، وإفناء صاحبها ، وفرّق بينهما بعد هذا الاشتراك ، بأنّ المحبّة تطلب الحياة بعد الموت ، والغيرة تطلب الموت بعد الموت ؛ أي لا تنتهي شدّتها أبدا ، كما تنتهي شدّة المحبّة بلقاء المحبوب .
هامش
( 1 ) بيت من قصيدة طويلة لناصح الدين أبي بكر أحمد بن محمد بن الحسين الأرجاني القاضي ، توفي سنة 544 ه الموافق 1149 م والقصيدة من البحر الطويل ومطلعها :أعد نظرة تبصر صنيع هواكا * وزد فكرة تنشر صريع نواكا