وحكم عليه بأنّه عبد نفسه الأمّارة بالسوء ؛ لأنّها طالبة للظهور عند الناس بمحاسن الصّفات ، وهو يطيعها بالامتثال لحكمها بالإظهار ، فهو يعبد نفسه لأجل النفس بإظهارها ، لا لغرض آخر ، وهذه الدعوى وصف عبد بعيد عن جناب الحقّ ، وفي مقابل هذا المدّعي من يدّعي بمجرّد الحقيقة ، لا بلسان ناطق ، ولا ببيّنة عمل ظاهر .
أي لا يظهر العمل ، بل يخفيه تحقيقا للإخلاص ، فهو ممّن لا شكّ في صدقه ، وحقائق أحواله تنطق عن سرائره ، من غلبة الشوق ، ووجدان القلب ، وغليان الفؤاد ، وهذه الدعوى وصف المحبّ لا المحبوب ؛ لقيامه به لا بنفسه ، يتفضّل بها عليه لما له من الفضل لديه ، وهذا المدّعي ينطق عن حاله بالمحبوب ، لا بنفسه ، فهو ناطق بلا لسان ، ولا بيّنة .
والمراد بالآلة في قوله : ( ولا آلة فدعواه ) ، آلة العمل ؛ فإنّه آلة صدق الدعوى ، وقوله : ( وهو نفسه ) ، النفس تأكيد للضمير ، والباء في ( بإظهار نفسه ) للسببية تتعلّق ببعيد ؛ أي هو يعبد نفسه بسبب إظهاره إيّاها .
وقوله : ( يعبد ) صفة محذوف ، أي عبد يعبد ، والغليل العطش ، وغليل سرّه شدّة شوق القلب ، والوجود في قوله : ( وجود قلبه ) ، بمعنى الوجدان مضاف إلى الفاعل ، والبغر غليان القلب ، وبغر الفؤاد شدّة شغفه إلى المشاهدة ، وقوله : ( وصف من اللّه ) ، خبر دعواه ، وتفضّله بالجرّ عطف على اللّه عزّ وجلّ .
بيان الغيرة
قال : ( من غار على الحقّ على الحقيقة نسي جميع الخليقة ، وردّته حقيقة غيرته إلى نسيان نفسه ، ومن غار عليه الحقّ لم يترك له وصفا يوصف به ، ولا نعتا ينعت به ، بل أغنته حقيقة الغيرة عن العلم به ) .
أقول : قوله ( على الحقيقة ) في محلّ نصب على الحال . بيّن في هذا الفصل غيرة العبد على الحقّ ، وغيرة الحقّ على العبد ، وحكم على من غار على الحقّ بنسيانه جميع الخلق حتى نفسه ، وعلى من غار عليه الحقّ نسيه الوجود عينه ، تنبيها على أنّ غيرة العبد على الحقّ لنفي ذكر الغير معه ، وغيرة