وقال : ( لا ترفع غيرة الحقّ في الدّنيا ولا في الآخرة ؛ لأنّها من صفات الذات ) .
أقول : هذا القول يدلّ بمنطوقه على ثبات غيرة الحقّ .
وقال : ( غيرة الحقّ مغيّر ، وغيرة الخلق متغيّر ) .
أقول : أي غيرة الحقّ على العبد ما يغيّره عن أوصافه فيه ، لأنّها ذاتية ، ويدلّ بمفهومه على تغيّر غيرة العبد لأنّها عرضيّة ، ومن آثار غيرة الحقّ : « به يسمع ، وبه يبصر ، وبه ينطق » ، لا بنفسه ، وعلى هذا . وأمّا غيرة العبد فمتغيّرة ، كما مرّ .
وقال : ( زيادة الغيرة الذهاب ) .
أقول : يحتمل هذين الوجهين :
أحدهما : أنّ نهاية غيرة الحقّ على العبد فناؤه فيه .
والآخر : أنّ نهاية غيرة العبد ذهاب الغيرة ، وفناؤها بفنائه في الحقّ ؛ لاستلزام فناء الذات فناء الصفات .
وقال : ( للعلم غيرة ، وللحقيقة غيرة ، وللحقّ غيرة ، فغيرة العلم حلم ، وغيرة الحقيقة حكم ، وغيرة الحقّ ختم ) .
أقول : قوله ( للعلم غيرة ) ، أي لأهله ، وكذا قوله ( للحقيقة غيرة ، وللحقّ غيرة ) ، أي لأهلهما ، فمعنى قوله : ( غيرة العلم ) و ( الحقيقة ) و ( الحقّ ) غيرة العبد بالعلم والحقيقة والحقّ ، كما سيأتي تفسيره .
والحاصل أنّ غيرة العبد ، إمّا أن تكون بالعلم دون الحقيقة والحقّ ، كغيرة أهل الصلاح على ظهور الفساد ، وليس لهذه الغيرة تأثير ، ومردّها إلى الحلم ، والتحمّل ، أو بالحقيقة كغيرة أهل المشاهدة على اطّلاع الغير ، ولها تأثير تامّ ، ولذلك سمّاها حكما ، أو بالحقّ كغيرة أهل البقاء باللّه تعالى على كشف السرّ ، ولها سرّ منع عن التصرّف فيه ، فلذلك سمّاها ختما .
وقال : ( الغيرة بالعلم فعل الصالحين ، والغيرة بالحقيقة فعل السابقين ، والغيرة بالحقّ فعل العارفين ) .
أقول : هذا لا يحتاج إلى الشرح ، وهو تفسير للقول السابق .
شرح كلمات بابا طاهر العريان — صفحة 132
مساهمون: عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى
ص١٣٢