الحقّ على العبد لنفي وجود الغير معه ، فيفنيه عن كلّ وصف ونعت ، بحيث يغنيه عن العلم بوجود نفسه .
وقال : ( غيرة العارف على ربّه أن يكون لغيره ، وعلى نفسه أن يكون عبد ربّه ) .
أقول : مضمون هذا الفصل تفصيل غيرة العبد ، وتقسيمها قسمين :
الأوّل : غيرته على ربّه أن يكون ربّا لغيره .
والثاني : غيرته على نفسه أن يكون عبدا لربّه ، تعظيما وإهانة لنفسه ، كما قيل : أغار عليها إن أهمّ بحبّها .
فالضمير في يكون الأوّل للربّ ، وفي الثاني للعارف ، وكذا في لغيره .
وقال : ( غيرة العارف على ربّه ضرورة بنفي القدرة ، وغيرة الحقّ على العارف إمضاء المراد بالقدرة ) .
أقول : الضرورة ما لا بدّ منه ، والباء في ( بنفي ) للمعيّة ، وفي ( بالقدرة ) للسببيّة ، وغيرة العارف على ربّه كما سبق أن يكون لغيره ، وهي من ضرورة حاله ؛ إذ لا بدّ له من الربّ ، ومع هذا لا قدرة له على إمضاء مراده لذلّة العبوديّة .
وغيرة الحقّ على العارف أن يكون له معه وجود ، ووصف ، وإمضاء مراده منه حاصل له ، لقدرته على ما يشاء ، وهذه الغيرة ليست بالضرورة ، لغنائه سبحانه عن الخلق ، يذهب قوما منهم ويأت آخرين ؛ كما قال تعالى :
إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ( 19 ) وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ
( 20 ) [ إبراهيم : الآيتان 19 ، 20 ] ، ولا قدرة أن يستبدل ربّا غيره .
وقال : ( الضنّة على الحقّ تجريد الإرادة ، والضنّة من الحقّ إظهار الإرادة ) .
أقول : الضنّة بمعنى الغيرة ؛ أي غيرة العبد على الحقّ فائدتها تجريد إرادته عن التعلّق بالغير ، وأمّا غيرة الحقّ عليه فإظهار إرادة الخير به .