والثانية : شرط الوقت ، أي أدب الحال ، فإنّ لكلّ حال أدبا يضيع بإهماله ، ومن أحوال الآداب وشرائطه إيواء القلب ، والتجاؤه إلى اللّه تعالى أن يعصمه من شرّ النفس والشيطان ، ويحفظ حاله من استراق سمع الوسواس ، والهواجس .
والثالثة : كتمان الوقت ، أي إخفاء الحال كيلا يطّلع عليه أحد من الناس ، فيبلوه بجواذب الأنظار ، فمن حافظ في الأنظار على هذه الخصال بلغ مبلغ الرجال ، ووفى بفوائد الأوقات .
وقال : ( من أراد من الحقّ حظّه في وقته ، فهو لوقته ، ووقته حجاب . ومن أراد الحقّ في وقته ، فوقته له ، وهو حجاب الوقت ) .
أقول : اللّام في ( لوقته ) و ( له ) للتمليك ، والوقت بمعنى الحال ، والحظّ ما فوق الضرورة من مرادات العبد في مقابل الحقّ ، فما دون الحقّ حظّ ، ومن أراد من اللّه تعالى ما دونه فهو مريد الحظّ ، لا الحقّ ، وكلّ حال يتعلّق به العبد عن المحوّل فهو ملكه ، والحال حجاب له عن الحقّ ، ومن تعلّق بالمحوّل دون الحال فالحال ملكه ، وهو حجاب للحال .
وقال : ( من لم يحمل حشو الأوقات لم يعرف حقائق الأوقات ) .
أقول : أراد بحشو الأوقات ما خلا عن الحضور والفائدة ، ومضى بالغفلة والعبث ، وكلّ ما كان سببا لذلك فهو آفة الوقت ، والحقّ تعالى قد يبتلي عبده الحاضر ، بإخلاء بعض أوقاته عن الحضور والفائدة الظاهرة ؛ ليعرف بذلك آفات الأوقات ، فمن لم يتّفق له ذلك لم يعرفها ، وقد قيل : أعرف الناس بالأوقات أكثرهم آفات .
وقال : ( الاغترار يصفّي الأوقات من بقايا كدر الأوقات ) .
أقول : معنى هذا القول موافق للسابق ؛ لأنّ من غرّته الحياة الدنيا فاغترّ ، وتكدّر صفاء وقته بشوب الغفلة والهوى ، ثمّ عاد صفاؤه ورونقه ، وتنبّه لما تكدّر به عمله ، حمله الاغترار على أن يحترز عن الوقوع فيه بعده ، فيصفّي وقته عن بقايا كدر الأوقات ، وهو مع وقته .
شرح كلمات بابا طاهر العريان — صفحة 135
مساهمون: عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى
ص١٣٥