باللّسان ، المحكوم عليه بالكذب ، مع ذلك حكم على الإظهار بالطلب بأنّه بعد وفرقة ؛ لأنّ الطلب دليل فقدان المطلوب ، وبالإشارة بأنّها جسارة ؛ لأنّ من أشار إلى وجدان المطلوب بإظهار وجد ، فقد أجسر على جناب الحقّ بهذه الدعوى .
وقال : ( الدعوى من وجهين :
فالأول : دعاوي الرّسميّات بأحكام الحركات .
والثاني : دعاوي الغيبيّات بأحكام الغلبات ) .
أقول : أراد بالرسميّات العبادات المرسومة ، الموزّعة على الجوارح والأوقات ، المحصّلة بإنشاء الحركات ، والدعوى بها هي الدعوى بالطلب ؛ كما مرّ ذكره ، وبالغيبيّات الأحوال الغريزيّة الغائبة عن الحسّ ، من المحبّة ، والشوق ، وأمثالهما ، وبالغلبات غلبات الوجد الظاهر على العبد ، وبأحكامها أماراتها من الصعقة ، والزعقة ، وأمثالهما .
فكما أنّ العبد يدّعي بأحكام الحركات البدنية أداء وظائف الرسميّات من العبادات ، كذلك يدّعي بأحكام الغلبات النفسانية وجدان الأحوال الغيبيّة ، وهذه الدعوى هي الدعوى بالإشارة ، وهاتان الدعويان صادقتان كما مرّ ، فما أتى بالدعوة الكاذبة في هذا الفصل .
وقال : ( الدعوى من وجهين ؛ فالأوّل : مدّع بلا بيّنة ولا حقيقة ، وهو نفسه يعبد نفسه بإظهار نفسه ، وهذه الدعوى وصف بعيد . والثاني : مدّع يدّعي بلا لسان ناطق ، وله بيّنة ، وحقائقه تنطق عن غليل سرّه ، ووجود قلبه ، وبغر فؤاده ، وهو مبترىء من وصفه ، ناطق بغيره بلا لسان ، ولا آلة ، فدعواه وصف من اللّه تعالى وتفضّله لديه ) .
أقول : أراد بالبيّنة الطاعة القالبية ، وبالحقيقة الوجد القلبي ، قسّم الدعوى في هذا الفصل بحسب ما يتبيّن فيه الصدق والكذب ، كما قسّمها في الفصل السابق بحسب ما يتعلّق بالقالب والقلب ، فقال : ( الدعوى من وجهين ، الأوّل :
مدّع بلا بيّنة ولا حقيقة ) ؛ أي مدّع باللّسان وحده ، بلا طاعة ، ولا وجد ، وهو كاذب بلا شكّ .
شرح كلمات بابا طاهر العريان — صفحة 129
مساهمون: عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى
ص١٢٩