وقال : ( من ادّعى المحبّة فقد أخطأ ، إذا كانت المحبّة غيورا ) .
أقول : حكم على من يدّعي المحبّة بالإخطاء ، وعلّله بكون المحبّة غيورا ، وهذه لطيفة نبّه بها على أنّ المحبّ والمحبوب واحد ، وأنّ المقتضي لهذه الوحدة غيرة المحبّة ، وبيان ذلك يحتاج إلى مقدّمة :
اعلم أنّ الغيرة حميّة تنفي الغيريّة ، وهي على ثلاثة أضرب :
1 - غيرة المحبّ . 2 - غيرة المحبوب . 3 - غيرة المحبّة .
فأمّا غيرة المحبّ فهي لنفي مشاركة الغير إيّاه في المحبّة . وأمّا غيرة المحبوب ، فهي لنفي الغيريّة بين المحبّ ، والمحبوب ، والمحبّة ؛ ولهذا قيل :
الكلّ واحد .
بيان الدعوى
قال : ( الدعوى بالّلسان كذب وزور ، وفي الطلب بعد وفرقة ، وبالإشارة جسارة ) .
أقول : الدعوى بمعنى الدّعوة ، إلّا أنّها في الاستعمال لإظهار معنى جميل من النّفس ، فكان المدّعي يدعو الناس إلى قبول ما يظهره من نفسه ، ولذلك حكم على أنّ الدعوى باللّسان أنّها كذب وزور ؛ لأنّ من يدعو الناس إلى قبول دعواه بمحبّة الحقّ ، يطلب منهم الإقبال عليه ، وذلك اعتباره بنظرهم وقبولهم ، وإقبالهم ، وهي وليجة في خلوص محبّة الحقّ ، فيكون ممّن يشهد عليه لسانه في مشهد الصدق بالكذب ؛ ولأنّ المدّعي بلسانه حبّ محبوب ، ولا يطيعه بجوارحه ، كاذب في دعواه ، فيكون المراد من الدعوى باللّسان كونها مجرّدة عن الطاعة ، وهذا الوجه أظهر وأنّسب ، وأنشد لرابعة العدويّة :
تعصي الإله وأنت تظهر حبّه * هذا لعمري في الفعال بديع
لو كان حبّك صادقا لأطعته * إنّ المحبّ لمن يحبّ مطيع
وإظهار المدّعي إمّا باللسان وهذا حكمه ، أو بالطلب والاجتهاد لتحصيل رضا المحبوب ، أو بالإشارة إلى الوجدان بإظهار الوجد ، وفي هذين الإظهارين لمّا لم يلزم النظر إلى الخلق وقبولهم وإقبالهم ، جعلهما قسيمين للإظهار