بين المتلاقيين ، فهم للتمتع بلذّة الوحدة وجلون ، فارّون من اللّقاء المشعر بالإثنينية ، وهذا أعزّ من الأوّل .
وقال : ( أوّل المحبّة لهو ، وأوسطها سهو ، وآخرها زهو ) .
أقول : اللّهو والسهو بمعنى الغفلة ، إلّا أنّ السهو غفلة مع وجود العلم ، ووقوعه نادر ، واللّهو مطلق الغفلة ، ووقوعه كثير ، وأكثر ما يستعمل في الغفلة عن الحقّ بالباطل ، قال اللّه تعالى :
إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ
[ محمّد : الآية 36 ] ؛ أي غفلة عن الحقّ بالباطل ، والزهو والافتخار .
أي المحبّ في بداية حاله يمزج الهوى مع حبّه ، غافل عن النهاية وما يؤول إليه من الفناء ، وفي وسطه يتنبّه له ، لكنّه قد يغفل عنه ببقيّة الهوى فيه . وأمّا في النهاية إذا تجرّد عن وجوده الفاني ، واكتسى ملابس الوجود الباقي بالمحبوب ، فهو يرفل في ثوب الافتخار ، مرتديا بفضله رداء الكبرياء ، والتكبّر مذموم ، إذا كان لغير الحقّ ، كما قال سبحانه :
الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ
[ الأعراف : الآية 146 ] ، وهذا النصّ يرشد بمفهومه إلى ما قلناه .
وقال : ( المحبّة أوّلها اختبار ، وأوسطها افتقار ، وآخرها اختيار ) .
أقول : يعني كلّ من يدّعي محبّة الحقّ يختبره المحبوب ، أوّلا بأنوع البلاء ، فإن كان كاذبا رجع ردّا على أطوائه ، وإن يكن صادقا يخلص لمن أبرز حاله لسبك الامتحان عن غشوش العلل ، فيعرض عن غيره مقبلا بالكلّية عليه ، ويفتقر بالحقيقة إليه ، وظهور هذا الافتقار في وسط المحبّة ، ثمّ إن كان من المصطفين بلّغه اللّه تعالى نهاية المحبّة ، وخلع عنه لباس وجوده ، واختاره لمنادمته ومكالمته ، و
ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
[ الحديد : الآية 21 ] .
وقال : ( المحبّة في الحقيقة اضطرار ) .
أقول : يعني ، لا يدخل المحبّ في المحبّة بالاختيار ، بل يجذبه إليها جاذبة جمال المحبوب بالاضطرار .