تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح كلمات بابا طاهر العريان — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦
ووكّل بإظهارها النغمات الرقيقة ؛ لأنّها بخاصيتها تحرّك ما في القلب من سرّ المحبة والهوى ، وتغويه ، وتزعج المحبّ عن إمساكه ، فيظهره بالحركات والرقصات ، إلّا من ارتقى عن تصرّف الحال فيه من الأقوياء ، الذين يبتلعون بقوّة الحال موائد النّوال . ولهذا ذهب أكثر المجتهدين إلى تحريم السّماع ، نظرا إلى إثارته الهوى الكامن في قلوب المبتلين به ، وكثير ما هم ، وبعضهم ذهب إلى تحليله ، نظرا إلى تحريكه سرّ محبّة الحقّ ، وتقويته في قلوب المعلّين من شرك الشّرك ، ومصيدة الهوى ، وقليل ما هم ،
وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها
[ البقرة : الآية 148 ] ، ولذلك ورد : « اختلاف أمّتي رحمة » « 1 » ، ولولاه لما بسطت الأحكام ، وما تبيّن الحلال من الحرام . وقال : ( المحبّة في البداية ممزوجة بالطيبة ، وفي النهاية ممزوجة بالمرارة ) . أقول : المحبّ في بداية المحبّة لا يخلو عن التمنّي ، ومن أمانيه أن يجد وصل المحبوب ، وهو هو ، ولا يعلم - لقلّة المعرفة - بأنّ المحبوب لا يسعه إلّا هو ؛ لضيق وعاء المحبّ عن ذلك ، فيجد في نفسه طيبة بوجود هذه الأمنية ، حتى إذا جدّ في السير ، وقرب من النهاية ، لاح له أنّ الوصول إلى فناء وجوده محال ، وزالت عنه طيبة تلك الأمنية ، وأحاط به سرادق الفناء ، ووجد مرارة فرقة الروح ، وهذا الذي قلنا في النهاية ، وقال بعضهم في البداية :
فالروح أوّل نقدة تأتي بها * في وصلنا إن كنت من خطّابنا « 2 »
وقال : ( أهل المحبّة فرحون ومنتظرون للّقاء ، وأهل الحقيقة محرقون وجلون فارّون من اللّقاء ) . أقول : أراد بأهل المحبّة الفرحين برجاء اللّقاء ، المنتظرين إيّاه ، وأهل البداية منهم ، وبأهل الحقيقة المحترقين بنار المحبّة ، وأهل النهاية منهم ، وسبب خوفهم وفرارهم من اللّقاء أنّ اللّقاء يقتضي الفناء ، أو لأنّ اللّقاء يشعر بالإثنينية
هامش
( 1 ) أورده العجلوني في كشف الخفاء ، حديث رقم ( 153 ) [ 1 / 66 ] . ( 2 ) لم أعثر على قائل هذا البيت .