وكلّما عاد إلى الصحو يتحمّل بذلك من بقيّة كدر الوجود ، وهكذا يسكر تارة ، ويصحو أخرى ، إلى أن يصير صافيا عن جميع الكدورات ، فحينئذ يرقّ حال السّكر ، فلا يحجب شيئا ، وتنكشف الحقيقة بالكلّية باطنا بنعت الجمع ، وظاهرا بوصف التفرقة ، ويصير حال المشاهدة مقاما مستقرّا ، فلا يحجب الحقّ بالخلق ، ولا الخلق بالحقّ ، وهذا هو الصّحو بعد المحو .
فظهر من هذا البيان معنى قوله : « غلط السّكر من بقيّة كدرك الصحو » .
وقال : ( الوجد علم أهل السّكر ) .
أقول : يعني أنّ الوجد حقيقة علم أهل السّكر بحالهم من شهود الحقّ .
وقال : ( السّكر أمان من المكر ) .
أقول : لأنّ السكران يغيّر بحاله ، ويحسبه مقاما ، وقد يعقبه الرّجوع إلى الصحو الأوّل ، ويزول ما يحسبه ثابتا ، فدخول المكر عليه من جهة استتار وجوده بنور الوجد ، وحسبانه ذلك الاستتار زوالا ، فالسّكر هو أمان من المكر بالجهة المذكورة ، ومن جملة المكر بالجهة الأخرى .
بيان المحبّة
قال : ( المحبّة حقيقة مطويّة ، وكّل بإظهارها رقيق النغمة ، ووكّل بإخفائها حقيقة الغيرة ) .
أقول : أي محبّة الحقّ حقيقة مطويّة مستورة في القلب ، وكّل بها أمران متنافيان :
أحدهما : يقتضي إخفاءها ، وهو الغيرة .
وثانيهما : إظهارها ، وهو رقيق النغمة .
حكم عليها بأنّها حقيقة إشارة إلى نفي توهّم ، أنّه لما تبيّن وجود المحبّة الإلهيّة إذ قالوا : إنّ المحبّة تقتضي المشاكلة المنفيّة عن قدسه تعالى ، فليس لامتثال حكمه ، أي ليس كما توهّموه ، فإنّها حقيقة في القلب ، وإنّما وكّل بإخفائها حقيقة الغيرة ، لأنّ من حقائق الغيرة أن يتأثّر المحبّ على إخفاء محبّته ، كيلا يشرك في علمها أحد .