وقال : ( انتهاء العقل إلى التحيّر ، وانتهاء التحيّر إلى السّكر ) .
أقول : أي غاية إدراك العقل أن يتحيّر نظره في غلبة سطوع أنوار الشهود ، كتحيّر البصر في غلبة نور الشمس ، وهذا التحيّر ينتهي إلى استتار نور العقل ، وزوال التمييز المسمّى سكرا .
وقال : ( السّكر رفع الرّسوم ، ونفي المرسوم ، وإخفاء المعلوم ) .
أقول : الرّسم الأصل ، أثر يبقى من عين ، ومنه رسم الدار ، ويطلق على ما بإزاء الحقيقة ، ممّا لا قيام له بذاته ، بل بالحقيقة ، ومنه تسمية الصوفيّة كلّ ما هو يقوم بالحقّ من وجود الممكنات - الذي هو أثر من وجود الحقّ - رسوما ، وهو المراد بقوله : ( السّكر رفع الرسوم ) ؛ لأنّه حالة تذهل صاحبها عن وجود الخلق .
ويطلق أيضا على كلّ وضع مستمر بالتكرّر ، ومنه رسوم العادات ، وهو المراد بقوله : ( ونفي المرسوم ) ؛ أي الموضوعات من العادات ، فإن وضعها لمصلحة عالم التفرقة . وأما قوله : ( وإخفاء المعلوم ) ؛ أي ما علم من حقيقة الأمر ، فإنّ إظهاره يشعر ببقيّة النظر إلى الغير ، والسّكر الغالب يذهل عنه .
وقال : ( غلط السّكر من بقيّة كدرك بالصّحو ) .
أقول : أراد بغلط السّكر غلبته ، بحيث يذهل عن التفرقة والتميّز بين العبد والرّب ، وهو إن كان كمالا بالنسبة إلى الصّحو قبل المحو ، لكنّه بالنسبة إلى الصحو بعد المحو نقصان .
وبيان ذلك أنّ السالك قبل كشف الحقيقة له محجوب عن الحقّ بالخلق ، وعن الجمع بالتفرقة ، وهذا حال المحو والسّكر ، وغلطه لكونه حجاب الخلق ، وشهود الحقيقة في البداية لا يستقرّ مقاما ، بل يلوح أحيانا ، ويروح سريعا ، ولذلك يتعاقب على العبد حال السّكر ، والرّجوع إلى الصحو ، فكلّما لاح له حال السكر أدرك نوره ظلمة وجوده ، وصفّاه عن كدورة صفات نفسه ، ولذلك يغيب عن الوجود .
شرح كلمات بابا طاهر العريان — صفحة 124
مساهمون: عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى
ص١٢٤