وهذه الحيرة زندقة ؛ لأنّها نتيجة عدم الإقرار بالربوبيّة للّه سبحانه ، والعبوديّة لنفسه ، والواجب أنّ يكون راضيا بحكم الربوبيّة ، غير متعرّض لطلب تعريف رهنه بالعبوديّة ، ثمّ إنّ رضاه بهذا يحمله على ما خلق له من العبوديّة ورهن به ، فيؤدّيه ذلك إلى معرفة المطلق .
ومن تعرّض لطلب علمه ، أي ليعلم بنفس الحكمة في كونه مرهونا بالعبوديّة ، وتحيّره فيها ، أحرقته غلبة العلم الغزير ، وبقي في حيرة ، لتلاشي علمه الجزئي في علم اللّه الكلّي المحيط بجميع الأشياء ، وهذه الحيرة قذر وكفر ؛ لأنّها نتيجة ضربان عرق النزاع للربوبيّة في النفس .
فالواجب أن يكون في طلبه جاهلا ، أي عالما بأنّه جاهل ، ليؤدّيه ذلك إلى تعريف الحقّ إيّاه ، بسبب التحيّر في العبوديّة .
ومن تعرّض لطلب حيرة العبودية ، أي لطلب معرفة ما تحيّر فيه من حقيقة العبوديّة ، أحرقته حقيقتها ، وبقي في حيرة ، وهذه الحيرة تؤدّي إلي الضلالة والتياهة ، فالواجب أن يكون فيه مفوّضا مستسلما ؛ ليؤدّيه ذلك إلى حقائق تعريف العبوديّة .
بيان السّكر
قال : ( السّكر غفلة أهل الوصل ) .
أقول : أي السّكر أن يغفل العبد عند وصله إلى جناب الحقّ عما سواه .
وقال : ( السّكر بعد رفع العقل ) .
أقول : يعني أنّ السّكر حالة تحدث بعد رفع حكم العقل وزوال التمييز ، وتسمّى هذه الحالة سكرا ؛ لأنّها تشابه حالة السّكر الظاهر ، وهي استتار نور العقل وزوال التمييز ، إلّا أنّ سبب استتاره في السّكر الظاهر غشيان ظلمة الطبيعة ، وفي هذا السّكر غلبة نور التجلّي ، فإنّ النور كما يستر بالظلمة يستر بالنور أيضا ، كاستتار نور الكواكب تارة بظلمة السحاب ، وتارة بنور الشمس .