تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح كلمات بابا طاهر العريان — صفحة 122

مساهمون:

ص١٢٢
وقال : ( الناس بما خلقوا له مرهونون ، وعن علم ذلك مغفولون ، وفي حيرة العبوديّة موجودون ، فمن تعرض لطلب تعريف رهانه أحرقه نور الربوبيّة ، وبقي في حيرة ، ومن تعرّض لطلب علمه أحرقته غلبة العلم الغزير ، وبقي في حيرة ، ومن تعرّض لطلب حيرة العبوديّة أحرقته العبوديّة ، وبقي في حيرة . فالحيرة الأولى في حقيقة الربوبيّة زندقة ، والحيرة الثانية في علم ما غيّب عن الخلق قذر وكفر ، والحيرة الثالثة في العبوديّة وسوسة ، تؤدّي علمه إلى الضلالة والتياهة ، والواجب أن يكون في رهنه راضيا ، بلا تعريض ، ولا تعريف ، وفي طلب علم رهانه جاهلا ، وبجهله عالما ، وفي حيرة العبوديّة مفوّضا مستسلما . ثمّ إنّ رضاه يحمله على ما خلق له ورهن به ، ويؤدّيه إلى معرفة علم إرهانه ، وجهله في علم إرهانه بعلمه يؤدّيه إلى تعريف سبب تحيّره واستسلامه ، وتفويضه في حيرة العبوديّة يؤدّيه إلى حقائق تعريف العبوديّة ) . أقول : أراد بما خلق له الناس العبوديّة ؛ لقوله تعالى :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
( 56 ) [ الذّاريات : الآية 56 ] ، وبالارتهان بها التقيّد بالعمل ؛ لترتّب الجزاء عليه ، إن خيرا فخير ، وإن شرّا فشر ، والمغفول بمعنى الغافل ، ولعلّه تلميح في ذلك - بعد مراعاة السجع - لمعنى قوله سبحانه :
إِنَّا نَسِيناكُمْ
[ السّجدة : الآية 14 ] ، بعد قوله :
نَسِيتُمْ
[ السّجدة : الآية 14 ] ، أي نسيتم اللّقاء لإنّا نسيناكم ، فالناسي منسيّ بالحقيقة ، والتعرّض التقدّم ، والتعرّض جعل الشيء متعرّضا ، وله معنى آخر ليس بمراد هنا ، وهو ضدّ التضرّع ، والغزير الكثير من الغزارة ، والقذر الخبث ، والضمير في ( علمه ) يرجع إلى الرهان بمعنى الرهن ، وكذا الإرهان . اعلم أنّ في معنى هذا الفصل غموضا وانغلاقا ، ونحن نفتح بتوفيق اللّه غلقه فنقول : إنّ للعبوديّة سرّا لا يطّلع العبد عليه ، إلّا بعد العمل بمقتضاه ، فمن تعرّض لطلب تعريفه من اللّه تعالى قبله ، متعرّيا عن العبوديّة ، منازعا للربوبيّة ، أحرقه نور الربوبيّة ، وبقي في حيرة ؛ لعدم اهتدائه إلى المطلوب .