تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح كلمات بابا طاهر العريان — صفحة 120

مساهمون:

ص١٢٠

بيان الاعتكاف

قال : ( حقيقة الاعتكاف الوقوف بتجريد الهمّ بلا رؤية وعد ، ولا وعيد ، ولا ملاحظة ثواب ، ولا عقاب ، بمشاهدة الحقّ به وله ) . أقول : الاعتكاف لغة هو الاحتباس ، وشرعا هو الوقوف في المسجد تقرّبا إلى اللّه تعالى ، والهمّ القصد ، والباء في ( بمشاهدة ) صلته ؛ كما في قوله تعالى :
وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها
[ يوسف : الآية 24 ] ، وفي ( بتجريد ) صلة الوقوف بمعنى مع ، وفي ( به ) صلة المشاهدة ، والضمير في ( به ) و ( له ) راجع إلى الحقّ . أي حقيقة الاعتكاف وقوف القلب مع تجريد الهمّ ، بمشاهدة الحقّ بالحقّ للحقّ ، بلا رؤية وعد ثواب ، ولا وعيد عقاب ، ومشاهدة الحقّ بالحقّ أن لا يرى العبد صفته ، بل صفة الحقّ ، ومشاهدته له أن لا يطلب منه سواه ، من إنالة ثواب ، ودفع عقاب ، وهذا المعنى حقيقة الاعتكاف ، والوقوف بالقالب دون القلب رسمه . وقال : ( الاعتكاف القيام بالسرّ على حقيقة المراقبة ) . أقول : القيام على الشيء بمعنى الإشراف عليه ؛ كما قال سبحانه :
أَ فَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ
[ الرّعد : الآية 33 ] ، أي الإشراف بالقلب على حقيقة المراقبة هو حقيقة الاعتكاف ، وحقيقة المراقبة أن يراقب العبد بقلبه أنّ اللّه رقيب على ظاهره وباطنه ، وصيغة المفاعلة تشير إلى ذلك ، فيقف معه دائما ؛ كما قيل :
وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي * متأخّر عنه ولا متقدّم « 1 »
وقال : ( الاعتكاف في بيته تخلية بيته ) . أقول : يعني كما أنّ الاعتكاف بالظاهر في المسجد - الذي هو بيت اللّه حقيقة - تخلية القلب عن كلّ شاغل عن طاعة اللّه ، فكذلك الاعتكاف بالباطن
هامش
( 1 ) هذا البيت هو للشاعر محمد بن علي بن عبد اللّه بن رزين بن سليمان بن تميم الخزاعي ، المكنّى بأبي الشيص ، توفي سنة 196 هجرية ، والبيت من بحر الكامل وتفعيلته هي :كمل الجمال من البحور الكامل * متفاعلن متفاعلن متفاعلن( الموسوعة الشعرية ، المجمع الثقافي ، أبو ظبي ) .
شرح كلمات بابا طاهر العريان — صفحة 120 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / عين القضاة ( عبد الله بن محمد الميانجي الهمذاني )