وقال : ( من كانت محبّة نفسه لنفسه لم يكن من الصبر في شيء ، ومن كانت محبّة نفسه لغيره كان باقيا بصبره ) .
أقول : إضافة المحبة إلى النفس إضافة المصدر إلى المفعول ، يعني من أحبّ بقاء نفسه لحظّ نفسه لم يتأتّ منه الصبر ؛ لأنّه مكروه النفس ، ومن أحبّها لأجل الغير كان بقاؤه في الدنيا بالصبر ؛ لأنّه إذا لم يطلب لنفسه حظّا في الدنيا ، بل يحبّ حياته لحظّ الغير منه ، كانت الدنيا عند نفسه مكروهة ، فلذلك يكون بقاؤه فيها ، وينخرط في سلك من كان محياه ومماته للّه تعالى ، وينتظر خروجه من الدنيا ، ومنه قول أمير المؤمنين رضي اللّه عنه : « فزت وربّ الكعبة » .
بيان الرّضا
قال : ( الرّضا سكون النفس عند الوارد ، وطمأنينة القلب بأحكام الوارد ، وخمود البشرية عند مرّ القضاء ) .
أقول : أي حقيقة الرّضا أن يسلّم العبد كلّه للّه ، فلا يجد نفسه متحرّجة بنوازل البلاء ، ولا نار طبعه متأجّجة بمرارات القضاء ، ولا إرادة قلبه متحرّكة بطلب الخروج عن مراد اللّه تبارك وتعالى بالابتلاء ، وهذا حال الرّضا لا يدوم ، تبزغ طوالعه تارة ، وتأفل أخرى ، والدائم الباقي منه لا يمكن منه طمأنينة القلب تحت مجاري الأقدار .
وأمّا سكون النفس ، وخمود البشرية ، قد يتّفق عند غلبات حال الرّضا ولا يدوم ، وطمأنينة القلب لثباتها تسمّى مقام الرّضا ، ولتحوّل حال الرّضا ، قال بعضهم : لا يصير الرّضا مقاما . وليس بقاء الحال لجميع الأوصاف - في جميع المحال - شرطا في وجود المقام ، بل يكفي لذلك بقاؤه لبعض الأوصاف في بعض المحالّ .
قال : ( من رضي بحاله من اللّه عزّ وجلّ حرم الزيادة ، ومن رضي من اللّه بحاله زاده ما لا نهاية له ) .
أقول : نبّه - رحمه اللّه - بهذا القول عن مواقع حسن الرّضا وعدمه ، وهو أنّ الراضي بحاله من اللّه تعالى إن كان لقناعته بذلك فهو قبيح لدناءة الهمّة ،