وقال : ( الفقير الخالص ، الذي لا يملك مع اللّه عزّ وجلّ ملكا ، ولا يفقد من سرّه حقيقة الملك ) .
أقول : الملك - بالكسر - اسم لما هو تحت التصرّف ، و - بالضمّ - صفة يقتدر بها صاحبها على التصرّف في الأشياء ، ونفاذ الحكم في الأمور ، وكلّ متصرّف غير اللّه تعالى لا يقدر على تصرّفه في ملك ، إلّا بقسط من هذه الصفة ، على قدر ما قدّرها ، ولا قدرة على التصرّف في هذه الصفة إلّا بالإتيان والنزع إلى اللّه سبحانه ؛ ليفرده بمالكيّة الملك ، وإتيانه ونزعه .
وقوله : ( الفقير الخالص ) ؛ أي الحقيقيّ ، ( الذي لا يملك مع اللّه عزّ وجلّ ملكا ) ؛ أي لا يتّخذه لغناه عمّا سواه ، سأل الزّقّاق « 1 » الدقّاق « 2 » : لم ترك الفقراء أخذ البلغة من اللّه في وقت الحاجة ؟ فقال الدقّاق : لأنّهم يستغنون بالمعطي عن العطاء . فقال الزقّاق : نعم ، ولكن وقع لي شيء آخر ؛ وذلك لأنّهم قوم لا ينفعهم الوجود ، إذ للّه فاقتهم ، ولا تضرّهم الفاقة ، إذ للّه وجودهم .
وقوله : ( ولا يفقد من سرّه ) ، أي ومع ذلك يجد من قلبه حقيقة الملك ، الذي يقتدر به على التصرّف لغنائه باللّه تعالى ، ويكون من الذين أنشد فيهم :
للّه تحت قباب العزّ طائفة * أخفاهم في رداء الفقر إجلالا
هم السلاطين في أمصار مسكنهم * فاستنقذوا من ملوك الأرض إقبالا
شمّ معاطسهم غبر ملابسهم * جرّوا على قلل الأفلاك أذيالا « 3 »
هامش
( 1 ) الزّقّاق : هو أحمد بن نصر بن أبي بكر الزقاق ، نسبة إلى بيع الزّقّ وعمله ، من أقران الجنيد ، توفي سنة 290 ه ( طبقات الأولياء ص 92 ) .
( 2 ) الدّقاق : هو محمد بن داود الدّينوري أبو بكر الدّقاق أو الدّقي البغدادي ثم الدمشقي ، مات بدمشق سنة 360 ه ، ( المرجع السابق ص 306 ) ؛ وجامع كرامات الأولياء ( 1 / 254 ) .
( 3 ) هذه الأبيات هي للشاعر سعيد بن محمد بن راشد بن بشير الخليلي الخروفي من شعراء القرن الثاني عشر ، والأبيات من البحر البسيط وتفعيلته هي :إن البسيط لديه يبسط الأمل * مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلن