أجيب : بأنّه لا يصير غنيّا بذاته عن كلّ ما سواه ، بل يمكن أن يصير غنيّا باللّه عمّا سوى اللّه ، واللّه تعالى غنيّ بذاته عن كل ما سواه ، فالعبد في غنائه فقير إلى غيره .
وقال : ( محبّة الغنيّ لربّه ممزوجة بالعطيّة ، ومحبّة الفقير لربّه خالصة للمعطي ، فحقيقة الغنى وجود العطيّة ، وحقيقة الفقر عدمها ) .
أقول : تفضيل الفقير على الغنيّ بتفضيل محبّته على محبّته ؛ وذلك لأنّ محبّة الغنيّ غير خالصة ، إذ هي ممزوجة بمحبّة العطيّة الواصلة إليه من محبوبه ؛ لأنّ المحبوب قد يكون محبوبا لذاته ، وقد يكون محبوبا بعطيّة واصلة منه إلى المحبّ .
وأمّا محبّة الفقير الذي لا عطيّة عنده ، فخالصة عن شوب العلّة ، فهو يحبّ المحبوب لذاته ، والمراد بالغنيّ وجود الشخص ، وبالفقير عدمه عنده .
وقوله : ( فحقيقة الغنى . . . ) الخ ، تفسير له ، يتميّز به عن غنى الخلق ، الذي هو عدم الاحتياج إلى الغير مخصوصا به ، والفاء ليست للتعليل ، بل هي بمعنى الواو .
وقال : ( من لم تصحبه في أصله ديانة ، وفي فقره صيانة ، وفي السرّ أمانة ، لم يتحقّق بالفقر ) .
أقول : شرط للتحقّق بالفقر ثلاثة أشياء :
1 - الديانة . 2 - والصيانة . 3 - والأمانة .
وعيّن لكلّ منها : الأصل للديانة ، والفقر للصيانة ، والسرّ للأمانة ، ومعنى الديانة في الأصل أن يكون العبد في ذاته وجوهره متديّنا ، ومعنى الصيانة في الفقر أن يصونه عن شوب الغنى ، فقد قيل : إنّ الفقير الصّادق يتحرّز عن الغنى أكثر من تحرّز الغنيّ عن الفقر .
ويحتمل معنى آخر ، وهو صيانته عن اطّلاع الغير عليه ، ومعنى الأمانة في السرّ يؤبّده ، وهو أن يكون أمينا في حفظ الأسرار ، لا يطّلع الغير عليها .
شرح كلمات بابا طاهر العريان — صفحة 111
مساهمون: عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى
ص١١١