وقال : ( يأتي عليّ أوقاتّ أستغني فيها عن طلب الحاجات وإن كنت في غاية الفاقات ، وذلك ممّا أرى من فقر نفسي ، واحتياجها إلى جميع شهواتها في الدّنيا والآخرة ، ثمّ حقيقة الاستغناء في الوقت تنطقني بالدعاء ، وطلب المراد منه ، فإذا أنا فقير من حيث أفقر في الحقّ ، لا من حيث أفقر في نفسي ) .
أقول : أخبر عن نفسه بأنّه قائم في الأشياء بمراد اللّه ، لا بمراد نفسه ، وأنّه لا يرفع إلى اللّه حاجة من حاجات نفسه لطلب النفس إيّاها ، وإن كانت في غاية الاحتياج ، بل بإشارة الحقّ وإذنه بالطلب منه ، فإذا هو فقير طالب لحاجته ، من حيث يحمله الحقّ على الطلب منه ، وعرض الفقر عليه ، لا من حيث تبعثه النفس على ذلك .
كان أيوبّ عليه السّلام مبتليا بالضرّ مدّة مديدة ، وما بعثته حاجة النفس على السؤال لإزالته ، حتى إذا وجد من اللّه إشارة بالسؤال منه سأله به ، لا بنفسه ، قال تعالى :
وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ
( 83 ) [ الأنبياء : الآية 83 ] .
وكان موسى عليه السّلام في بداية أمره ، لا يسأل اللّه شيئا من حاجات النفس احتشاما وتعظيما ، حتى أمره اللّه بالسؤال ، وقال : « سلني ولو ملحا لعجينك » ، فناداه به ، وقال :
رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ
[ القصص : الآية 24 ] .
وهذا الفقر عين الاستغناء باللّه عن كلّ ما سواه ، ولذلك قال : ( أستغني ) عن طلب الحاجة ، وأسند إنطاقه بالدعاء والطلب إلى حقيقة هذا الاستغناء ، إشارة إلى أنّ طلبه باللّه ، لا بنفسه .
وقال : ( الأسباب علل النفوس ، ومواضع حظّها ، والمتعلّق باللّه هو الذي أفنى حظّ نفسه ) .
أقول : أي الأسباب والأملاك المتحدة ، تراها النفوس عللا للأرزاق ، ويتعلّق بها حظّها ، والمتعلّق باللّه يفني حظّها بترك الأسباب .